خطاب الكراهية في لبنان: بين مواجهة التحريض وحماية حرية التعبير
تتصاعد الأزمات في لبنان نتيجة للحرب الاسرائيلية والاعتداءات المستمرة على الأراضي اللبنانية خصوصا على المناطق الجنوبيّة، وتنعكس هذه الحرب على الداخل اللبناني بتصاعد التوترات السياسية والانقسام العامودي على جميع الملفات المتعلّقة بالحرب لينتج عنها سرديات وخطابات تسودها لغة العنف، الكراهية، التخوين وتبادل التهم، وتتجلّى هذه الصورة في المشهد الاعلامي مع كل ما يحمله من تأثيرات على المجتمع اللبناني الذي يصبح هشّا أكثر فأكثر نتيجة لهذه السرديات المنتشرة.
ومع كل حدث سياسي أو أمني أو إعلامي، يتجدّد الجدل حول مفهوم “خطاب الكراهية”، وحدود حرية التعبير، ودور الدولة ووسائل الإعلام في تنظيم هذا النوع من الخطابات.
وقد برز هذا النقاش بشكل متزايد خلال الأشهر الأخيرة. وفي ظلّ غياب تعريف دولي موحّد لخطاب الكراهية، تبرز إشكالية أساسية تتمثّل في كيفية مواجهة الخطابات التحريضية والعنيفة من دون تحويل هذا المفهوم إلى أداة لتقييد حرية الرأي والتعبير أو ملاحقة الأصوات الناقدة والمعارضة. كما يطرح ذلك تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين التعبير الصادم أو المستفز، وبين التحريض المباشر الذي قد يهدّد حقوق الأفراد أو السلم الأهلي.
يناقش هذا التقرير الإشكاليات القانونية والإعلامية المرتبطة بخطاب الكراهية، من خلال استعراض المعايير الدولية، وخطة عمل الرباط، والمقاربات الأوروبية المقارنة، إضافة إلى قراءة في السياق اللبناني وما تضمنه اقتراح قانون الإعلام الجديد.
خطاب الكراهية: غياب تعريف موحّد
على الرغم من الاستخدام المتزايد لمصطلح “خطاب الكراهية” في النقاشات السياسية والإعلامية والقضائية، لا يوجد حتى اليوم تعريف دولي موحّد ومتفق عليه لهذا المفهوم، ما يجعل تصنيفه وتحديد حدوده القانونية مسألة معقّدة ترتبط بالسياقات السياسية والاجتماعية والثقافية المختلفة.
وفي هذا السياق، تقول المديرة الإقليمية لمكتب منظمة “المادة 19 في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سلوى الغزواني في مقابلة لمؤسسة مهارات إنّ "منظمة المادة 19 وكل الجهات التي تعنى وتعمل على ملف خطاب الكراهية كمنظمات الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الانسان لم تحدّد تعريفا موحّدا لخطاب الكراهية، أي لا يوجد تعريف متفق عليه دوليا، فالمسألة صعبة التحديد لكن هناك معايير تعتمدها المنظمة 19 ضمن هرم بصري لتحديد وتقييم خطاب الكراهية".
وتؤكد رئيسة قسم الصحافة الدولية في جامعة سيتي الدكتورة زاهرة حرب عدم وجود تعريف موحّد عالمي لخطاب الكراهية، إذ تختلف المقاربات تبعاً للسياقات الاجتماعية والسياسية والثقافية لكل بلد أو منطقة.
أما منظمة العفو الدولية، فتعتمد في تعريفها لخطاب الكراهية على المعايير الدولية لحقوق الإنسان، ولا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، حيث لا يجوز تقييد حرية التعبير إلا في حالات ضيقة ومحددة للغاية. فالأصل أن حرية التعبير تشمل طيفًا واسعًا من الآراء، بما في ذلك تلك التي قد تكون صادمة أو مستفزة أو حتى مهينة، بحسب ما أشارت له مسؤولة الحملات المعنية بشؤون لبنان في منظمة العفو الدولية رينا وهبي.
ويحظر العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في المادة 20 منه قانونا، أيّة دعاية للحرب وأيّة دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية التي من الممكن أن تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف.
تصنيف الخطاب: بين التعبير المحمي والتحريض على الكراهية
انطلاقا مما سبق، تعتمد المنظمات الدولية والحقوقية على مجموعة من المعايير التي تساعد على تقييم الخطاب وتحديد ما إذا كان يندرج ضمن التعبير المحمي أو ضمن الخطابات التي قد تستوجب التقييد أو التجريم.
وفي هذا الإطار، تشير سلوى الغزواني إلى أنّ منظمة “المادة 19” وضعت هرماً بصرياً لتصنيف أشكال الخطاب ، انطلاقاً من خطورته وتأثيره المحتمل على الأفراد والمجموعات. ووفق هذا التصنيف، تقع في قمّة الهرم الخطابات التي تتضمّن تحريضاً مباشراً على التمييز أو العداوة أو العنف، وهي الخطابات التي أشارت إليها المادة 20 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتي قد تستوجب التجريم.
أما وسط الهرم فيشمل الخطابات التي تعتبر ضارّة وتمييزية وفيها صور نمطية وتضليل وتحريض غير مباشر والتي لا تستوجب العقاب الجنائي بل من الممكن مواجهتها بطرق أخرى تضمن عدم اساءة استخدام خطاب الكراهية كذريعة للحد من حرية الرأي والتعبير خاصة في السياقات التي نعيش فيها والتي يتم فيها التضحية بحرية التعبير.
أما قاعدة الهرم، فهي تتضمّن الاراء الصادمة أو المستفزّة والنقد السياسي الحاد، وهو ما يعتبر خطابا محميا ضمن الأطر الدولية لحماية حرية الرأي والتعبير وخصوصا المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وفي هذا السياق، تشير رينا وهبي إلى أنّ "الخطاب المدان يجب أن يظهر كراهية لمجموعة قومية أو عرقية أو دينية معينة؛ ويجب أن يتضمن نية واضحة لتحريض الآخرين على التمييز أو العداوة أو ارتكاب العنف ضد المجموعة المعنية؛ كما يجب أن يبرهن احتمال أن يرتكب الآخرون مثل هذا العنف أو أي أذى آخر؛ بالإضافة إلى بناء رابط واضح ومباشر بين الخطاب/التعبير وهذا العنف أو غيره من الأذى. وبعبارة أخرى، فإن مجرد التعبير عن آراء حادة أو نقدية، حتى لو كانت جارحة، لا يبرر تقييدها ما لم ترقَ إلى مستوى التحريض الذي يهدد حقوق الآخرين أو سلامتهم".
التوسّع في تفسير خطاب الكراهية: تقييد لحرية الرأي والتعبير
اذا تتعدّد أشكال الخطاب الذي من الممكن أن يتضمّن شكل من أشكال الكراهية، ومما لا شكّ فيه وكما سنعرض تباعا، تختلف طرق مواجهة هذا الخطاب، مع العمل على ضمان عدم قمع الحريات تحت شعار محاربة خطاب الكراهية، إذ تقول رينا وهبي إنّ" مفهوم “خطاب الكراهية” يتحوّل إلى أداة تمسّ بحرية التعبير عندما يُعرَّف بطريقة فضفاضة تسمح للسلطات باستخدامه ضد الأصوات المعارضة أو التغطيات الصحافية الناقدة، بدل أن يقتصر على التحريض الحقيقي على العنف أو التمييز.
وتشرح أن "المعايير الدولية واضحة في هذا المجال: ليس كل خطاب صادم أو مستفز أو حاد يُعتبر خطاب كراهية، فحرية التعبير تحمي أيضاً الآراء التي قد تزعج أو تثير الجدل، خصوصاً في السياقات السياسية والإعلامية الحساسة.
أما في ما يتعلق بالفارق بين خطاب الكراهية والقدح والذم، توضح زاهرة جرب أن "القدح والذم يُعدّان جرائم يعاقب عليها القانون، لكنهما لا يُصنفان بالضرورة كخطاب كراهية، فيما يُقاس خطاب الكراهية بمدى الإساءة أو التحريض الذي قد يؤدي إلى أذى نفسي أو جسدي".
في السياق نفسه، تضيف سلوى الغزواني أنّ "الكثير من الدول في المنطقة تبنّت قوانين لتجريم الجرائم السيبرانية وضمّنتها نصوصا لتجريم الخطابات التي فيها دعوة الى الكراهية دون أي معايير تجعلنا نتأكد متى يكون هذا الخطاب مصنّفا كخطاب كراهية وغالبا ما تكون هذه الفصول والقوانين تتضمن عقوبات بالسجن وهو ما يعتبر أمرا خطيرا".
في المقابل، قد تتضمّن بعض الخطابات شكلا من أشكال التمييز أو الكراهية، وهنا تبرز أهمية مواجهة هذه الخطابات دون الوصول الى العقوبات الجنائية وعقوبات السجن، إذ تؤكّد الغزواني على سلسلة من الإجراءات التي تساعد على الحد من هذه الخطابات وهي:
- التنظيم الذاتي لوسائل الاعلام عن طريق المواثيق الصحافية والسياسات الداخلية داخل المؤسسات.
- التنظيم الذاتي عبر مجالس الصحافة: على الرغم من أن التجارب في هذا الاطار غير مشجّعة إلاّ أن دورها محوري في التوعية والتثقيف والحد من هذه الخطابات.
- تنبيه الصحافيين داخل المؤسسات: تعتبر هذه الطريقة من الطرق المهمّة للحد من الخطابات العنفية عكس ما يشاع، إذ إن الصحافي تهمّه سمعته وسيرته المهنيّة.
- الغرامات المالية.
أما على المستوى الاجتماعي، فتشدّد الغزواني على أنّ "مزيد من الحرية تساعدنا في مواجهة خطاب الكراهية، فالسياق الذي يعطي حرية في التعبير مترافقا مع تدريبات على التربية الاعلامية والمعلوماتية وحملات توعوية ونشر الخطابات المضادة لخطاب الكراهية من قبل منظمات المجتمع المدني، من شأنه أن يرفع الوعي الجماعي حول خطاب الكراهية ما يوصلنا إلى "الرد المجتمعي" على الخطابات العنفية وخطاب الكراهية للتنبيه أن هذا الخطاب غير مسؤول وهو ما يخلق توعية متبادلة بين المواطنين".
متى يصبح الخطاب جريمة؟
في ظلّ غياب تعريف موحّد لخطاب الكراهية، تبرز أهمية المعايير الدولية التي تساعد على تقييم الخطاب وتحديد الحالات التي قد تستوجب التقييد أو التجريم، خصوصًا في القضايا المرتبطة بالتحريض على العنف أو التمييز أو العداوة.
وفي هذا السياق، تُعتبر “خطة عمل الرباط” الصادرة عن الأمم المتحدة من أبرز الأطر المرجعية الدولية لتقييم خطاب الكراهية، إذ وضعت ما يُعرف بـ”الاختبار السداسي”، الذي يهدف إلى التمييز بين التعبير المحمي وبين الخطاب الذي قد يرقى إلى مستوى التحريض المجرَّم.
ويستند هذا الاختبار إلى ستة معايير أساسية تشمل:
- سياق التصريح او الخطاب: وضع الخطاب في السياق السياسي والاجتماعي السائد عند صدور الكلام أو نشره
- موقع المتحدّث: صفة المتحدّث الاجتماعية ومركزه أو مركز منظّمته في بيئة الجمهور الذي يتوجّه إليه
- النيّة: تفعيل العلاقة الثلاثية بين غرض الخطاب وموضوعه بالاضافة الى جمهور السامعين
- محتوى التصريح او الخطاب: تحليل مدى كون الخطاب استفزازيا ومباشرا وشكله وأسلوبه
- مدى انتشار الخطاب: تأثير الخطاب، طبيعته العامّة وكبر الجمهوره المتلقي
- أرجحية الضرر، بما في ذلك الوشوك المحدق: تحديد درجة مخاطر الضرر الناتج عن الخطاب
وتنوّه رينا وهبي إلى أنّ "الخطة تكتسب أهمية مركزية في التمييز بين التعبير المشروع والتحريض الذي يستوجب المساءلة، إذ تقدم إطارًا تحليليًا دقيقًا يمنع التوسع التعسفي في تجريم الخطاب. وتكمن أهمية هذا النهج في أنه يرفع عتبة التجريم بشكل واضح، بحيث لا يُفرض إلا على أخطر أشكال الخطاب التي تحمل خطرًا حقيقيًا وفوريًا. كما يضمن أن يُفهم خطاب الكراهية في سياقه الكامل، بدل الاكتفاء بقراءة سطحية للنصوص أو التصريحات. ولهذا السبب، تدعو منظمة العفو الدولية إلى الاسترشاد بخطة الرباط عند صياغة أو تطبيق القوانين المتعلقة بالتحريض، بما يضمن حماية حرية التعبير ومنع إساءة استخدام هذه القوانين.
وفي نفس السياق، تقول الغزواني إنّ "خطة الرباط حدّدت إطارا مهمّا جدا للتصدي للخطابات الخطيرة عبر الاختبار السداسي المكوّن من 6 معايير التي تعتبر صعبة التحقق جميعها، فمثلا يمكن أن يكون السياق فيه توترات دينية وسياق سياسي اجتماعي صعب ولكن المتحدّث لا يملك تأثير وبالتالي لماذا عقوبة السجن؟ أي إن سقطت إحدى المعايير تنتفي العقوبة السجنية. كذلك شكل المحتوى، هل فعلا دعا بشكل مباشر للكراهية؟ بالاضافة الى ضرورة درس احتمال الضرر والتأثير والمعايير الأخرى المنصوص عنها في خطة الرباط".
المقاربة الأوروبية: حماية حرية التعبير مع تجريم التحريض الخطير فقط
وفي السياق المقارن، يشير مدير مركز أبحاث الإعلام والصحافة ماريوس دراغومير Marius Dragomir إلى أنّ المقاربة الأوروبية تتعامل مع خطاب الكراهية باعتباره أحد القيود الضيقة على حرية التعبير، لا استثناءً يلغي الحماية الواسعة التي يتمتّع بها هذا الحق. وينطلق النظام الأوروبي من مبدأ أساسي مفاده أنّ حرية التعبير تشمل أيضاً الآراء التي قد تكون صادمة أو مستفزّة أو مزعجة، وهو ما كرّسته المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في العديد من قراراتها.
ويوضح دراغومير أنّ الاتحاد الأوروبي يجرّم بعض أشكال خطاب الكراهية، لكن ضمن نطاق ضيّق ومحدّد، استنادًا إلى القرار الإطار الأوروبي لعام 2008 المتعلّق بمكافحة العنصرية وكراهية الأجانب، والذي يُلزم الدول الأعضاء بتجريم التحريض العلني على الكراهية أو العنف عندما يستهدف مجموعات محدّدة على أساس العرق أو اللون أو الدين أو الأصل القومي أو الإثني. كما يشمل القرار إنكار أو تبرير جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية بشكل علني.
ويضيف أنّ هذا الإطار الأوروبي صيغ أساسًا بهدف معاقبة أشكال التحريض الخطيرة المرتبطة بالعنصرية وكراهية الأجانب، مع الحرص في الوقت نفسه على احترام حرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات، وذلك من خلال اعتماد ما يُعرف باختبار التناسب عند فرض أي قيود على التعبير.
وبحسب دراغومير، تطرح المحاكم الأوروبية ثلاثة أسئلة أساسية عند تقييم أي تقييد لحرية التعبير:
- هل القيد منصوص عليه بوضوح في القانون؟
- هل يهدف إلى حماية مصلحة مشروعة؟
- وهل يُعتبر ضرورياً ومتناسباً داخل مجتمع ديمقراطي؟
ويحذّر دراغومير من التوسّع في العقوبات الجزائية المرتبطة بخطاب الكراهية، لما قد تتركه من أثر مقيّد للنقاش العام، مشددًا على أهمية حصر التجريم بحالات التحريض المباشر والخطير، والفصل بوضوح بين خطاب الكراهية وقضايا القدح والذم التي تتجه العديد من الدول الأوروبية إلى إخراجها تدريجياً من الإطار الجزائي.
ويرى أنّ من أبرز العناصر التي يمكن أن يستفيد منها لبنان في هذا المجال، اعتماد تعريف ضيّق وواضح لخطاب الكراهية يرتبط بالتحريض المباشر لا بالإساءة أو النقد، إلى جانب الفصل بين خطاب الكراهية والقدح والذم، وإدراج مبدأ التناسب لضمان أن تكون أي قيود على التعبير هي الأقل تقييدًا للحريات.
اقتراح قانون الإعلام الجديد: مقاربة تضبط التجريم وفق المعايير الدولية
وفي موازاة النقاشات القانونية والإعلامية المرتبطة بخطاب الكراهية، برزت مقاربة مختلفة ضمن النسخة الأخيرة من اقتراح قانون الإعلام الجديد الذي ناقشته اللجنة الفرعية المنبثقة عن لجنة الإدارة والعدل النيابية.
فقد تمّ التوافق داخل اللجنة الفرعية ولاحقا في لجنة الادارة والعدل على إلغاء عقوبة السجن والتوقيف الاحتياطي في القضايا المرتبطة بحرية التعبير والنشر، واستبدالها بمساءلة مدنية أمام المحاكم المدنية المختصة، بما يشمل الصحافيين وسائر المواطنين على حد سواء، انطلاقًا من مبدأ حماية فعل التعبير بحدّ ذاته بغضّ النظر عن صفة الفاعل.
وفي ما يتعلّق بخطاب الكراهية، أبقت نسخة الادارة والعدل على استثناءات ضيقة ومحدّدة تتعلّق بالتحريض على العنصرية أو الكراهية، وربطت التجريم مباشرة بالمعايير الواردة في خطة عمل الرباط الصادرة عن الأمم المتحدة، بحيث يُشترط أن يكون التحريض جدّيًا ومباشرًا، وأن يكون احتمال وقوع الضرر أو العنف مرتفعًا، بما يحدّ من مخاطر التوسّع في التجريم أو استخدام النصوص بشكل فضفاض ضد حرية التعبير.
كما نقلت النسخة المذكورة قضايا القدح والذم من الإطار الجزائي إلى المسؤولية المدنية، عبر تعديل أحكام قانون العقوبات وربطها بقانون الموجبات والعقود، في خطوة تتماشى مع المعايير الدولية وتوصيات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة المتعلقة بحماية حرية التعبير وإلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر والتعبير.
ويُعدّ هذا التوجّه من أبرز التحوّلات التي تضمّنتها النسخة الأخيرة من اقتراح القانون، إذ يكرّس مبدأ الفصل بين خطاب الكراهية المرتبط بالتحريض المباشر والخطير، وبين التعبير النقدي أو قضايا السمعة والقدح والذم، التي باتت تُعامل ضمن إطار المسؤولية المدنية لا الجزائية.
وهذا ما تؤكده رلى مخايل، المديرة التنفيذية لمؤسسة مهارات أنّ أهمية المقاربة التي تضمّنتها النسخة الأخيرة من اقتراح قانون الإعلام تكمن في "ربط أي تجريم لخطاب الكراهية بمعايير واضحة ومحدّدة تستند إلى خطة عمل الرباط، بما يمنع التوسّع في استخدام هذا المفهوم لتقييد حرية التعبير أو ملاحقة الأصوات النقدية تحت عناوين فضفاضة".إلّا أنّ مصير اقتراح قانون الإعلام لا يزال حتى اليوم محاطًا بحالة من الغموض، خصوصًا بعد إعادة فتح النقاش حوله داخل اللجان النيابية المشتركة، وتشكيل لجنة فرعية جديدة لإعادة درس بعض مواده، رغم سنوات من النقاشات التي شهدها الاقتراح بصيغته الأخيرة. وقد أثار هذا المسار مخاوف لدى عدد من الجهات الإعلامية والحقوقية من احتمال عرقلة الإصلاحات التي تضمّنها الاقتراح، ولا سيّما تلك المرتبطة بإلغاء العقوبات السالبة للحرية، وتنظيم خطاب الكراهية وفق المعايير الدولية، وتعزيز الضمانات المرتبطة بحرية التعبير. للمزيد حول مسار اقتراح قانون الإعلام في لبنان: تقرير "مسار قانون الإعلام في لبنان: بين التقدّم التشريعي وإعادة فتح النقاش".
السياق اللبناني: بين ضرورة التنظيم وعدم قمع حرية الرأي
تعكس النقاشات التي شهدها لبنان خلال الأشهر الأخيرة حول بعض المواد الإعلامية والإنتاجات الساخرة حجم التعقيد الذي يرافق التعامل مع خطاب الكراهية داخل سياق سياسي وطائفي شديد الحساسية، حيث تختلط أحيانًا حدود النقد السياسي بالتعبير الصادم أو الخطاب التحريضي، وسط غياب إطار قانوني واضح ومحدّث يحدّد هذه الفواصل بدقّة.
وقد برز هذا الجدل بشكل واضح على خلفية الفيديو الكاريكاتوري الذي نشرته المؤسسة اللبنانية للإرسال LBCI بتاريخ 2 أيار 2026، والذي أثار سجالًا سياسيًا وإعلاميًا واسعًا حول حدود حرية التعبير، وإمكانية تصنيفه ضمن خطاب الكراهية أو ضمن التعبير السياسي الساخر المحمي.
- فيديو LBCI: بين خطاب الكراهية والتعبير الساخر
نشرت المؤسسة اللبنانية للإرسال LBCI بتاريخ 1 أيار 2026 فيديو كاريكاتوريًا مستوحى من لعبة Angry Birds يصوّر أمين عام حزب الله نعيم قاسم كشخصية “طائر”، في مواجهة الجنود الإسرائيليين المصوّرين على شكل خنازير. وقد أثار الفيديو موجة واسعة من الجدل والانتقادات، خصوصًا على خلفية اعتبار البعض أنّه يتضمّن إساءة لرمزية دينية مرتبطة بعمامة قاسم، فيما اعتبره آخرون يدخل ضمن إطار التعبير السياسي الساخر المحمي.
وأدّى الجدل الذي رافق الفيديو إلى تحرّك رسمي وقضائي، إذ اعتبر وزير الإعلام بول مرقص أنّ الفيديو يندرج ضمن خطاب الكراهية ويتجاوز حدود حرية التعبير، فيما مثلت القناة أمام مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية بناءً على إشارة من المدعي العام التمييزي، قبل إزالة الفيديو وفتح تحقيق بشأنه.
وفي هذا السياق، تشير مسؤولة الحملات المعنية بشؤون لبنان في منظمة العفو الدولية رينا وهبي إلى أنّ المعايير الدولية تفرض ضمانات واضحة لمنع تحوّل مفهوم خطاب الكراهية إلى أداة لتقييد حرية التعبير، بحيث يجب أن يستوفي أي قيد على التعبير شروط الشرعية والضرورة والتناسب، وأن يكون الإجراء الأقل تقييدًا الممكن اعتماده. كما يقع العبء على الجهات القضائية إثبات أن هذا القيد ضروري بالفعل، وأنه الإجراء الأقل تقييداً الممكن اعتماده، إضافة إلى تبرير السبب المشروع الذي فُرض من أجله، لا أن يُستخدم بشكل فضفاض أو انتقائي لتقييد النقد أو إسكات الأصوات المعارضة.
في المقابل، ترى رئيسة قسم الصحافة الدولية في جامعة سيتي الدكتورة زاهرة حرب أنّ الفيديو لا يمكن فصله عن السياق اللبناني القائم على الانقسامات الطائفية والسياسية الحادّة، معتبرة أنّ ردود الفعل التي أعقبته ساهمت بدورها في إنتاج خطاب تحريضي متبادل قد يؤدّي إلى تأجيج الانقسامات والعنف.
وتلفت حرب إلى أنّ خطورة الخطاب لا ترتبط بالمحتوى وحده، بل أيضًا بالسياق العام الذي يُنشر فيه، وبالتراكم المستمر لخطابات ذات طابع مذهبي وطائفي داخل المشهد الإعلامي اللبناني.
وفي حين تشدّد على ضرورة الحدّ من الخطابات المؤذية، تعتبر حرب أنّ المقاربة العقابية والسجنية ليست الحل، داعية إلى البحث عن آليات بديلة للمساءلة، من بينها التنظيم الذاتي، والغرامات، وسحب المحتوى عند الضرورة، خصوصًا في ظلّ محدودية دور المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع وعدم قدرته على ممارسة صلاحياته بشكل فعّال.
في المقابل، قدّمت المفكرة القانونية قراءة قانونية للحادثة، اعتبرت فيها أنّ التعامل الأمني مع القضية يشكّل انتهاكًا لمبدأ عدم مثول الصحافيين أمام الأجهزة الأمنية، محذّرة من تكريس هذا المسار في قضايا النشر تحت ذرائع الاستعجال. ورأت المفكرة أنّ الفيديو يندرج ضمن إطار النقد السياسي الساخر المحمي، معتبرة أنّ تصنيف أي خطاب كتحريض يستوجب توافر نيّة واضحة وخطر فعلي ومباشر، وهي عناصر لا تتوافر، بحسب قراءتها، في الحالة المذكورة. وفي الوقت نفسه، أشارت المفكرة القانونية إلى أنّ ردود الفعل التي أعقبت نشر الفيديو انزلقت بدورها نحو خطابات دينية وتحريضية، ما يعكس الحاجة إلى إطار قانوني واضح يميّز بدقة بين التعبير المحمي وبين التحريض الذي قد يهدّد السلم الأهلي.
وتتقاطع هذه المخاوف مع ما رصدته مؤسسة مهارات في أحد تقارير Trends watch Alerts، والذي أشار إلى أنّ ردود الفعل التي أعقبت الفيديو الكاريكاتوري أظهرت هشاشة الوحدة الوطنية وارتفاع مستوى التوتر والانقسام العمودي في لبنان، وسط مخاطر حقيقية على السلم الأهلي. كما لفت التقرير إلى أنّ الجدل الذي رافق القضية تجاوز حدود الاختلاف في الرأي أو التعبير السياسي، ليعكس تصاعد خطاب التخوين والتحريض المتبادل على المنصات الرقمية، في وقت برزت فيه مخاوف من استخدام مفاهيم مرتبطة بحماية السلم الأهلي أو الوحدة الوطنية لتبرير تقييد الأصوات النقدية وحرية التعبير.
ويذكر انه بعد انتهاء التحقيقات الأولية، قرّر النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج بتاريخ 15 أيار 2026 حفظ الإخبار بحق قناة LBCI ومسؤوليها لعدم توافر أي جرم، معتبرًا أن الفيديو الكاريكاتوري يندرج ضمن حرية التعبير ولا يتضمن إساءة دينية أو تحقيرًا لأي جهة، بل قدّم حزب الله بصورة "الخير" مقابل "الشر" الإسرائيلي.
في المقابل، طلب ملاحقة أشخاص قاموا بنشر صور مسيئة للبطريرك بشارة بطرس الراعي، معتبرًا أنّ هذه المواد تنطوي على تحريض وإثارة للنعرات الطائفية بما قد يهدّد السلم الأهلي.
ويُظهر الجدل المتصاعد في لبنان حول خطاب الكراهية حجم التعقيد الذي يرافق تنظيم التعبير داخل سياق سياسي وطائفي شديد الحساسية، خصوصًا في ظلّ الحرب والانقسامات الحادّة. وبين ضرورة مواجهة الخطابات التحريضية والعنيفة، ومخاطر استخدام هذا المفهوم لتقييد النقد والمعارضة، تبرز الحاجة إلى إطار قانوني واضح يستند إلى المعايير الدولية، ويفصل بدقة بين التحريض المباشر على العنف وبين التعبير السياسي أو النقدي المحمي. كما تعكس هذه النقاشات أهمية استكمال مسار إقرار قانون إعلام جديد يوفّر ضمانات واضحة لحرية التعبير، ويحدّد مقاربة متوازنة للتعامل مع خطاب الكراهية بعيدًا عن المقاربات الأمنية والتوسّع في التجريم، إلى جانب تعزيز النقاش حول مسؤولية وسائل الإعلام في إدارة الخطابات الحسّاسة داخل الفضاء العام اللبناني.

