مسار قانون الإعلام في لبنان: بين التقدّم التشريعي وإعادة فتح النقاش
بعد أيام قليلة على إعلان وقف إطلاق النار، أي في ظرف كان يُفترض أن يشهد تهدئة وإعادة تركيز على الأولويات الإصلاحية، سجّل مسار اقتراح قانون الإعلام تطورًا بارزًا في 21 نيسان، مع إحالة النص الذي أنجزته لجنة "الإدارة والعدل" إلى اللجان المشتركة، بالتوازي مع تقديم اقتراح قانون آخر من النائب غازي زعيتر قبل أيام من الجلسة. وقد أعاد هذا التطوّر طرح تساؤلات حول مسار إقرار القانون، لا سيّما بعد سنوات طويلة من النقاشات التي أفضت إلى صيغة متقدّمة سبق أن أُحيلت إلى الهيئة العامة لمجلس النواب.
وخلال جلسة اللجان المشتركة التي عُقدت في 23 نيسان، برزت مقاربتان أساسيتان: الأولى تدعو إلى المضي في الصيغة التي تم التوصّل إليها بعد سنوات من النقاش، والثانية تفضّل إتاحة مزيد من الوقت لإعادة النظر في بعض البنود. وفي ختام الجلسة، تمّ الاتفاق على تشكيل لجنة فرعية برئاسة النائب الياس بو صعب تكون مهمّتها مناقشة النقاط الخلافية، وأعطيت مهلة ١٥ يوما لتقديم تقريرها.
في ظلّ الأزمات المتعددة التي يشهدها لبنان، ولا سيّما خلال فترة الحرب وما رافقها من تصاعد في المخاطر التي تواجه الصحافيين، إلى جانب انتشار خطاب الكراهية والمعلومات المضلّلة، تتزايد الحاجة إلى إقرار قانون إعلام عصري يواكب التحوّلات المتسارعة ويؤمّن حماية فعّالة لحرية التعبير وينظّم المسؤولية الإعلامية.
ضمن هذا السياق، يُعدّ اقتراح قانون الإعلام الذي توصّلت إليه لجنة الإدارة والعدل بعد سنوات طويلة من النقاشات وأعمال اللجان المتعاقبة، وآخرها اللجنة المصغّرة التي ترأسها النائب جورج عقيص، محاولة متقدّمة لتحديث الإطار القانوني بما ينسجم مع المعايير الدولية ويعزّز مبادئ الحوكمة والاستقلالية والحماية في القطاع الإعلامي، وهو ما يجعله أحد أبرز المبادرات الإصلاحية المطروحة اليوم.
تحالف الحريات في لبنان يطلب من النواب رفض العرقلة
في التفاصيل، عقدت جلسة للجان النيابية المشتركة بتاريخ 23 نيسان 2026 وعلى جدول أعمالها عدد من اقتراحات القوانين أبرزها اقتراح العفو العام، واقتراح قانون الإعلام الذي قدّمه النائب غازي زعيتر قبل بضع أيام من انعقاد الجلسة وهو ما عقّد المسار التشريعي للنسخة النهائية من اقتراح قانون الاعلام لدى لجنة الادارة والعدل.
قبل يوم من الجلسة، أصدر تحالف الحريات في لبنان بيانا، أشار فيه إلى أنّ إنّ "إدراج اقتراح القانون كما أنجزته لجنة "الإدارة والعدل" على جدول أعمال اللجان المشتركة، بالتوازي مع تقديم اقتراح النائب زعيتر، يُشكل محاولة مقصودة لنسف الجهود الطويلة التي بذلت في مسار إنجاز قانون إعلام جديد، في وقت نحن في أمسّ الحاجة الى قانون يحمي الإعلاميين، ويتصدّى لخطاب الكراهية، وينظّم المسؤولية الاجتماعية للإعلام".
كما وجّه التحالف رسالة إلى النواب برفض أي عرقلة جديدة لهذا المسار، والإصرار على اعتماد النسخة الأخيرة التي أقرّتها لجنة "الادارة والعدل"، تمهيدًا لمناقشتها في الهيئة العامّة لمجلس النوّاب.
اقتراح زعيتر، قانون جديد قديم واتحاد الصحافيين يتخوف من تطيير الإصلاح
أما حول اقتراح القانون المقدّم من النائب غازي زعيتر، فشرح التحالف أنّ النائب غازي زعيتر قام بتسجيل اقتراح قانون الإعلام في تاريخ 14 نيسان 2026 تحت الرقم 308، وتمّت إحالته إلى اللجان المشتركة في تاريخ 15 نيسان 2026. كما تبيّن أنّ مضمون هذا الاقتراح هو نفسه الاقتراح الذي كان قد تقدّم به النائب غسان مخيبر مع "مؤسسة مهارات" عام 2010، تحت رقم 44/2010.
وقد عبّرت رئيسة اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان السي مفرج عن أسفها لعودة إقتراح القانون إلى اللجان المشتركة بدل أن يتم تحويله إلى الهيئة العامة للتصويت عليه. معتبرة أنّ ما يحصل " يوحي بأن الهدف هو تطيير الاصلاحات أو تطيير القانون".
وأشارت مفرّج إلى أنّ "اقتراح القانون الذّي تقدّم به النائب السابق غسان مخيبر ومؤسسة مهارات منذ 16 عاما، خاض مسارا طويلا، بدءا من محاولة تشويه لنصّه وروحيّته ووضعه في "الجوارير"، وصولا إلى الفترة الأخيرة أي آخر 3 سنوات، إذ شهد الاقتراح ورشة إصلاحية في اللجنة المصغّرة التي ترأسها النائب جورج عقيص والتي شارك فيها أعضاء من مجلس النواب ومن المجتمع المدني كما كنا كنقابات شركاء في هذه الورشة الاصلاحية".
وتوجّهت مفرّج برسالة إلى النواب بعدم إضاعة جهد سنوات طويلة من عملهم، والمضي في إقرار قانون يلغي التجريم وعقوبة الحبس ويحمي الصحافيين.
إصلاحات تطالب بها مؤسسة مهارات وتعتبر انها منعكسة في النسخة الاخيرة التي أقرّتها لجنة "الادارة والعدل"، تمهيدًا لمناقشتها في الهيئة العامّة لمجلس النوّاب. وتعدد مؤسسة مهارات هذه الاصلاحات الاساسية وهي حماية حرية التعبير بدل تجريمها، حصر الملاحقات بأطر مدنية ما يلغي عقوبات الحبس والملاحقات الجزائية وينتقل الى المسؤولية المدنية، وضع حدود دقيقة لخطاب الكراهية دون المساس بالنقاش العام، وضمان بيئة آمنة للعمل الصحافي وحماية سريّة المصادر. كما أن إنشاء هيئة مستقلة وشفافة لم يعد خياراً بل ضرورة لاستعادة الثقة بحوكمة القطاع الإعلامي وتنظيم المسؤولية الاجتماعية للاعلام.
إن المضي بهذه الإصلاحات اليوم هو اختبار جدّي لإرادة المجلس النيابي في حماية الحقوق والحريات، وفي الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء إطار قانوني حديث يواكب التحديات الراهنة. والمطلوب من اللجنة التي تم تشكيلها تسريع احالة اقتراح القانون الى الهيئة العامة بالاصلاحات الاساسية.
مواقف نيابية: تباين في مقاربة المسار التشريعي
ما قبل انطلاق الجلسة
في موازاة النقاشات التي سبقت انعقاد جلسة اللجان المشتركة، برزت مواقف نيابية عكست تباينًا في تقييم المسار التشريعي المعتمد.
فقد اشار النائب رازي الحاج قبل دقائق من انطلاق الجلسة في مقابلة لمؤسسة "مهارات" إنّ "العمل النيابي له مسار تشريعي واضح، ومشروع القانون المقدّم من أحد الزملاء لم تكن فكرة سديدة في ظلّ وجود اقتراح قانون إعلام جاهز تمّت مناقشته والموافقة عليه داخل لجنة الادارة والعدل التي هو عضو فيها"، وقد وصف الحاج ما حصل أنّه "عرقلة واضحة لمسار اقرار قانون الاعلام".
وفي التوجّه نفسه، أعرب النائب فادي كرم عن أسفه لتقديم النائب غازي زعيتر اقتراح قانون في اللحظات الأخيرة بعد مسار طويل من النقاش والتوافق على مدى أشهر وسنوات، معتبرا أن هذا التصرّف يدلّ على "عدم إدراك بالعمل التشريعي"، وأضاف أنّ ما حصل يشكّل محاولة لتلغيم اقتراح القانون الذي تمّت مناقشته والذي من المفترض أن يذهب إلى الهيئة العامة لإقراره..
في المقابل، أشار النائب حسين الحاج حسن أنّ " هناك نقاشا حصل داخل لجنة الاعلام والاتصالات ولجنة الادارة والعدل ما طرح صيغا مختلفة استدعت نقاشا اضافيا للوصول إلى الصيغة النهائية"، معتبرا أنّ "من حقّ النائب غازي زعيتر تقديم اقتراح قانون وضمّه"، ومؤكداً في الوقت نفسه على "ضرورة الإسراع بإقرار قانون جديد للإعلام".
.
أثناء الجلسة: المجلس أمام مسارين
وخلال الجلسة، عكست المداولات داخل اللجان هذا التباين في المقاربات. وفي هذا الاطار، اوضح النائب عبدالرحمن البزري في مقابلة مع "مهارات"، ان "هناك صيغة أنجزت منذ عدّة سنوات وتحتاج إلى التحديث، وهناك صيغة مقدّمة من قبل لجنة الإدارة والعدل أخذت بعين الاعتبار بعض القوانين"، واوضح "اننا الآن أمام مسارين، إمّا التصويت على القانون المرسل بين أيدينا الأن وأما أن نشكّل لجنة فرعية مدّتها 15 يوما لدمج كل هذه الاقتراحات في اقتراح واحد".
وأضاف البزري أنّ “وزير الإعلام وعدداً من النواب يفضّلون إنجاز ما بين أيدينا الآن خوفاً من أن يتم تأخير إقرار قانون عصري للإعلام”، في إشارة إلى النقاش القائم بين تسريع الإقرار وإتاحة مزيد من الوقت لإعادة النظر في بعض البنود.
تشكيل المجلس مسألة خلافية او حجة للتطيير؟
بعد انتهاء جلسة اللجان المشتركة، برزت مواقف متباينة عكست استمرار النقاش حول مسار قانون الإعلام، لا سيّما في ضوء قرار تشكيل لجنة فرعية لإعادة النظر في بعض النقاط.
في هذا السياق، أوضح وزير الإعلام بول مرقص أنّ الصيغة التي أعدّتها لجنة الإدارة والعدل "تهدف إلى حماية حرية الرأي والتعبير، عبر تحديد من هو الصحافي وإلغاء العقوبات السجنية واستبدالها بالغرامات، مع اعتماد آليات سريعة وفعّالة للنظر في المخالفات الإعلامية".
كما أشار إلى أنّ المشروع "ينصّ على إنشاء هيئة مستقلة للإعلام، وإعادة تنظيم الإعلام العام ضمن منصة موحّدة، ويعالج للمرة الأولى بشكل مفصّل مسألة خطاب الكراهية وآليات مكافحته، إضافة إلى تنظيم عمل المواقع الإلكترونية للحدّ من الأخبار المضلّلة، مع الحفاظ على دور المنصّات الملتزمة بالمعايير المهنية".
وأكمل مرقص: "تفاجأنا اليوم داخل اللجان المشتركة أن هذا النص تم اعادته الى الوراء عبر تشكيل لجنة فرعية يرأسها نائب رئيس مجلس النواب للنظر فيما تبقّى من ملاحظات اضافية على هذا النص، في حين أن هذه الملاحظات كان من الممكن درسها داخل اللجان سابقا".
في المقابل، اعتبر نائب رئيس مجلس النواب ورئيس اللجنة الفرعية المستحدثة الياس ابو صعب أنّ إعادة النقاش تندرج ضمن المسار الطبيعي للعمل التشريعي، مشيراً إلى أنّه "وعلى الرغم من صدور تقرير من لجنة الادارة والعدل واجراء العديد من الجلسات بحضور خبراء، إلاّ أن ذلك لا ينفي حاجته إلى تعديلات ولا ينفي مشروعية النواب بتقديم اقتراحات قوانين ومشروعية التعديل،." واضاف انه يعتقد أن وزير الإعلام بول مرقص أيضا يوافق على أن هناك حاجة لبعض التعديلات".
وعند سؤاله حول النقاط الخلافية وأوضح أبو صعب أنّه “لم يدخل بعد في نقاش قانون الإعلام”، مشيراً إلى أنّ اللجنة الفرعية التي تم تشكيلها ستحدّد موعداً لاجتماعاتها لدراسة الملف، لافتاً إلى أنّ المعلومات المتداولة تشير إلى أنّ الخلاف قد يتركّز حول مسألة تشكيل المجلس الوطني للإعلام، ليعلّق مرقص بالقول: “إنشالله يكون الأمر مقتصراً عند هذا الحدّ”.
المطلوب تسريع الإجراءات والمضي الى الهيئة العامة
من جهته، عبّر النائب جورج عقيص عن امتعاضه من المسار الذي اتخذه النقاش، معتبراً أنّ “المقاومة الوحيدة الفعّالة اليوم هي مقاومة الإصلاح”، ومشيراً إلى أنّه بعد “عمل 11 جلسة داخل لجنة الإدارة والعدل و16 جلسة في اللجنة الفرعية، كنا ننتظر الإحالة المباشرة إلى الهيئة العامة، لكن تفاجأنا في اللحظة الأخيرة قبل أيام من انعقاد اللجان المشتركة بإسقاط اقتراح قانون تقدّم به أحد الزملاء في ممارسة غريبة”.
وفي الوقت نفسه، شدّد عقيص على أهمية المرحلة المقبلة، متمنياً أن "تنجز اللجنة الفرعية عملها بأسرع وقت ممكن، وأن يتم تسريع الإجراءات لنمضي في قانون الإعلام إلى حيث يجب".
تم إعداد هذه النشرة ضمن مشروع "إصلاح الإعلام وتعزيز حرية التعبير في لبنان" بدعم من الاتحاد الأوروبي.

