ملكية وسائل الإعلام في لبنان

ملكية وسائل الإعلام في لبنان: بين حماية التعددية ومنع تركّز السيطرة الإعلامية

لماذا يعني هذا النقاش كل مواطن؟

كل خبر تقرأه، وكل نشرة تتابعها، وكل برنامج حواري يشكّل رأيك في قضية عامة، يمرّ حتمًا عبر مؤسسة إعلامية لها مالك. وهذا المالك، أيًا كان، يملك القدرة، المباشرة أو غير المباشرة، على التأثير في ما يصلك من أخبار وآراء، وما يُحجب عنك منها. من هنا، فإن النقاش الدائر اليوم داخل مجلس النواب حول اقتراح قانون الإعلام الجديد، وتحديدًا حول تركّز ملكية وسائل الإعلام، ليس شأنًا تقنيًا يخصّ أصحاب المؤسسات الإعلامية والمستثمرين فيها فحسب، بل قضية تمسّ مباشرة حق كل مواطن في الوصول إلى معلومات وآراء متنوعة ومستقلة، ومعرفة من يملك القدرة على تشكيل النقاش العام، وما هي المعلومات التي تصل إلى المواطنين وكيف تُعرض لهم.

 

وفي صلب هذا النقاش، تبرز المادة الثامنة من اقتراح القانون، التي تضع سقفًا أقصى لملكية الشخص الواحد في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة بنسبة 10%. وقد أثارت هذه المادة تباينًا حادًا في المواقف: بين من يعتبرها قيدًا مبالغًا فيه على حرية الاستثمار، ومن يراها ضمانة أساسية للحدّ من الاحتكار وحماية التعددية الإعلامية. غير أن مراجعة التجارب المقارنة والآراء القانونية تُظهر أن السؤال الحقيقي لا يقتصر على ما إذا كانت نسبة الـ10% مرتفعة أو منخفضة، بل يمتد إلى مسألة أعمق بكثير: كيف يمكن منع تركّز السلطة الإعلامية في يد عدد محدود من الأشخاص، بغضّ النظر عن الرقم المكتوب في القانون، لاسيما أن فعالية  هذه الأداة تبقى مرتبطة بقدرة القانون على كشف السيطرة الفعلية وتطبيق قواعد الشفافية؟

 

وخلال اجتماع اللجنة النيابية الفرعية المنبثقة عن اللجان النيابية المشتركة في الخامس من حزيران 2026، والذي خُصّص لمراجعة النسخة الأخيرة من القانون، عاد النقاش ليركّز على مجموعة من الإصلاحات الأساسية، وفي مقدّمها آلية تعيين أعضاء مجلس الإعلام الجديد والقيود المقترحة على ملكية وسائل الإعلام المرئية والمسموعة.

 

وتنص المواد المتعلقة بملكية المؤسسات التلفزيونية والإذاعية على مجموعة من الضوابط الهادفة إلى الحدّ من الاحتكار، أبرزها منع أي شخص طبيعي أو معنوي من امتلاك أكثر من 10% من أسهم الشركة المالكة للوسيلة الإعلامية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إضافة إلى منع امتلاك أكثر من مؤسسة تلفزيونية واحدة ومؤسسة إذاعية واحدة. إلا أن هذه القيود أثارت تساؤلات داخل اللجنة بشأن إمكانية تطبيقها عمليًا في السوق الإعلامية اللبنانية، وسط دعوات من بعض النواب إلى إعادة النظر فيها أو تخفيفها.

 

ولا يقتصر النقاش على نسبة الملكية بحدّ ذاتها، بل يمتد إلى الجهة التي ستتولى مراقبة تطبيق هذه الأحكام. فاقتراح القانون ينيط بالهيئة الوطنية للإعلام مهمة التدقيق في هياكل الملكية ومتابعة التزام المؤسسات بالقواعد المحددة واتخاذ الإجراءات القانونية عند المخالفة. غير أن فعالية هذه الآليات تبقى مرتبطة باستقلالية الهيئة نفسها، في ظلّ استمرار الخلاف حول طريقة تعيين أعضائها وإمكانية خضوعها للتأثيرات السياسية. كما يثير هذا النقاش مسألة الكشف عن المالكين الفعليين والمستفيدين الحقيقيين، إذ إن السيطرة على المؤسسة الإعلامية قد تُمارس عبر شركات وسيطة أو ترتيبات مالية لا تظهر في سجلات الملكية الرسمية.

 

لماذا يهمّنا هذا النقاش كمواطنين؟

قد يبدو الحديث عن نسبة ملكية الأسهم وآليات تعيين الهيئات الناظمة شأنًا تقنيًا بعيدًا عن حياة المواطن اليومية. إلا أن الحقيقة عكس ذلك تمامًا. فكل قرار يتخذه المواطن اللبناني، عن من ينتخب، وأي سياسة اقتصادية يدعم، وكيف يقيّم أداء المسؤولين، يستند في جزء كبير منه إلى معلومات يزوّده بها الإعلام. وإذا تركزت وسائل الإعلام في يد عدد محدود من المالكين المرتبطين بمصالح سياسية أو اقتصادية، فإن المواطن يفقد تدريجيًا تنوع الأصوات اللازم لتكوين رأي مستقل، من دون أن يكون ذلك واضحًا له بالضرورة.

 

وهذا ليس افتراضًا نظريًا في الحالة اللبنانية. فبحسب مرصد ملكية وسائل الإعلام في لبنان (Media Ownership Monitor Lebanon 2024)، يرتبط أكثر من 80% من وسائل الإعلام التي شملتها الدراسة بشكل مباشر أو غير مباشر بشخصيات أو قوى سياسية، فيما يرتبط أكثر من 70% من المالكين الذين خضعوا للتحليل بسياسيين أو أحزاب أو شخصيات عامة نافذة. بمعنى آخر، فإن الصورة التي يتلقاها المواطن اللبناني عن بلده عبر شاشاته وإذاعاته منتجة، في جزء كبير منها، من داخل المنظومة السياسية نفسها التي يُفترض أن يراقبها الإعلام.

 

ويشرح الخبير الأوروبي في مركز أبحاث الإعلام والصحافة (MJRC)، ماريوس دراغومير، أن فهم أهمية هذه المسألة يبدأ بسؤال بسيط يطرحه كل مواطن على نفسه: من يملك فعليًا وسيلة الإعلام التي أتابعها يوميًا؟ فوسائل الإعلام، بحسبه، ليست مجرد نشاط تجاري كغيره، بل هي المصدر الذي يتعرف من خلاله الناس إلى ما يجري حولهم، ويستندون إلى ما تقدّمه من معلومات لتكوين آرائهم واتخاذ مواقفهم. وعندما يسيطر عدد محدود من المالكين على الجزء الأكبر من المؤسسات التي يتابعها الجمهور، تتقلص الصورة المتنوعة عن الواقع، وتصبح المؤسسات الإعلامية أكثر تشابهًا في مضمونها وخطابها، فيما قد تُهمَّش القضايا التي تمسّ مصالح المالكين أنفسهم، وهو ما يضيّق خيارات الجمهور من دون أن يكون ذلك واضحًا له في كثير من الأحيان.

 

ويستشهد دراغومير بتجربة هنغاريا كمثال على ما يمكن أن يحدث حين يتآكل هذا التنوع: فالحكومة هناك لم تفرض رقابة مباشرة على الإعلام، بل سمحت لرجال أعمال مقرّبين منها بالاستحواذ على عدد كبير من المؤسسات الإعلامية قبل دمج المئات منها في مؤسسة واحدة. وكانت النتيجة أن صحفًا محلية في مختلف أنحاء البلاد باتت تنشر القصص نفسها، بالعناوين والصور نفسها، وفي كثير من الأحيان بالتوقيت نفسه، لتبدو متعددة في الشكل لكنها محدودة في تنوع مضمونها فعليًا. ويخلص إلى أن حرية الصحافة لا تتعلق فقط بما يستطيع الصحافيون نشره، بل أيضًا بمن يملك المنصات التي تُنشر من خلالها هذه الآراء والمعلومات.

 

لذلك، فإن النقاش حول المادة الثامنة ليس نقاشًا تقنيًا محصورًا بين خبراء القانون والمستثمرين، بل نقاش يتعلق، في جوهره، بمن يحدّد ما تعرفه، وما لا تعرفه، عن بلدك.

 

ماذا يتضمّن اقتراح قانون الإعلام الجديد؟

يتضمن اقتراح قانون الإعلام الجديد أربعة أقسام رئيسية. يتناول القسم الأول ملكية المؤسسات الإعلامية ومتطلبات الشفافية المتعلقة بها، فيما يركّز القسم الثاني على الجوانب التقنية الخاصة بمختلف المؤسسات الإعلامية. أما القسم الثالث، فيتناول الهيئة المشرفة على قطاع الإعلام، وهي الهيئة الوطنية للإعلام، فيما يُعدّ القسم الرابع من أهم أقسام القانون، إذ يعالج مضمون المادة الإعلامية، بما يشمل حق الرد والتصحيح، والأخبار الكاذبة، والقدح والذم. وفي هذا الإطار، أبقى القانون الجديد على الطابع الجزائي في ما يتعلق بالأفعال والمخالفات الأكثر خطورة وتأثيرًا على المجتمع والرأي العام، في حين نقل الجزء الأكبر من المخالفات إلى الإطار المدني، بحيث ألغى الملاحقات الجزائية والتوقيف الاحتياطي في هذه القضايا.

 

ويجيز اقتراح القانون الجديد تملّك غير اللبنانيين للمؤسسات الإعلامية، مع وضع ضوابط تحدّد النسب المئوية المسموح بها لهذه الملكيات. كما يعيد التأكيد على مجموعة من القواعد الرامية إلى منع تركّز ملكية وسائل الإعلام في يد مستثمر واحد أو عدد محدود من المستثمرين، إذ لا يسمح لأي مستثمر بامتلاك أكثر من ثلاث مؤسسات إعلامية، على أن تكون مؤسسة واحدة من كل نوع.

 

وسماح اقتراح القانون الجديد بتملّك الأجانب لوسائل الإعلام، ضمن ضوابط محددة، من شأنه أن يعزّز موقع لبنان كمركز جاذب للاستثمارات في قطاع الإعلام وتطويره، في ظلّ التحولات التي يشهدها القطاع، والذي بات يتخذ طابعًا عالميًا متزايدًا مع انتقال معظم وسائل الإعلام إلى البث عبر الإنترنت. ومن هنا تبرز أهمية أن يمتلك لبنان بيئة قانونية حاضنة للاستثمارات المحلية والإقليمية والدولية، ترتكز إلى معايير مهنية وأخلاقية تضمن جودة المحتوى الإعلامي، وتوفر مناخًا داعمًا لحرية الرأي والتعبير، بما يعزز مكانته كعاصمة للإعلام في الشرق الأوسط.

 

التمويل: الحلقة الأكثر غموضًا في المعادلة

حين يتحدث الناس عن ملكية وسيلة إعلامية، يفكرون عادة بمن يظهر اسمه في سجل المساهمين. لكن التجربة اللبنانية، كما يوثقها التقرير الذي أعدّته مؤسسة مهارات بعنوان «الشفافية الإعلامية تحت التهديد: معالجة غموض الملكية والتأثير غير المبرر عبر الإصلاحات»، تُظهر أن المال الذي يبقي المؤسسة الإعلامية قائمة، لا الأسهم المسجلة باسم أصحابها فحسب، هو ما يحدّد فعليًا من يملك القرار داخلها.

 

فالمؤسسات الإعلامية، خلافًا لكثير من الشركات التجارية، تحتاج إلى تمويل مستمر يفوق غالبًا ما تدرّه من إيرادات تجارية: تكاليف الإنتاج، والرواتب، والبنية التقنية، ورسوم الترخيص. وحين لا تكفي الإيرادات التجارية لتغطية هذه الكلفة، تصبح المؤسسة معتمدة على قروض أو صفقات إعلانية أو دعم مالي من جهات قد لا تظهر إطلاقًا في سجل الملكية الرسمي. وهنا مربط الفرس: فالجهة الممولة، وإن لم تكن مالكة بالمعنى القانوني، تملك في كثير من الأحيان نفوذًا أكبر من نفوذ المالك الرسمي، لأن استمرارية المؤسسة وقدرتها على البث أو النشر تتوقف عليها.

 

وبحسب تقرير مهارات، يبقى تمويل وسائل الإعلام من أكثر الجوانب غموضًا في القطاع الإعلامي اللبناني، في ظلّ غياب الإفصاح المنتظم عن مصادر التمويل، وضعف الشفافية المرتبطة بالإعلانات السياسية، وعدم وضوح أشكال الدعم المالي الذي تتلقاه بعض المؤسسات، فضلًا عن صعوبة التمييز بين الاستثمار التجاري والتمويل ذي الأهداف السياسية. ويؤكد التقرير أن المموّل الفعلي قد يكون، في كثير من الأحيان، أكثر تأثيرًا من المالك الرسمي للمؤسسة الإعلامية.

 

وهذا ما يفسّر لماذا يمكن لتشريع يكتفي بوضع سقف على نسبة الأسهم أن يبقى عاجزًا عن تحقيق هدفه: فمؤسسة إعلامية قد تلتزم حرفيًا بسقف الـ10% المنصوص عليه في القانون، فيما تبقى، من الناحية الفعلية، رهينة تمويل مستمر من جهة سياسية أو اقتصادية واحدة تملي عليها خطها التحريري من دون أن تظهر اسمها في أي سجل رسمي. ولذلك، يخلص تقرير مهارات إلى أن معالجة تركّز الملكية لا تقتصر على تحديد سقف قانوني للتملك، بل تتطلب أيضًا تمكين الجهة الرقابية من الكشف عن المالكين الفعليين والمستفيدين الحقيقيين ومصادر التمويل. فحتى أكثر القيود القانونية صرامة قد تصبح غير فعالة إذا أمكن الالتفاف عليها عبر الملكية غير المباشرة، أو إذا كانت الجهة المكلفة بالرقابة تفتقر إلى الاستقلالية والقدرة على التنفيذ.

 

ويشير التقرير أيضًا إلى أن أبرز الإشكاليات في الإطار القانوني اللبناني تتمثل في غياب نظام متكامل للكشف عن المستفيد الحقيقي، وإمكانية استخدام شركات أو ترتيبات قانونية لإخفاء المالك الفعلي، إضافة إلى ضعف تحديث بيانات الملكية، ومحدودية إتاحة المعلومات المتعلقة بالملكية والتمويل أمام الرأي العام. ويرى التقرير أن التشريعات اللبنانية الحالية لا توفر حماية كافية من تركّز ملكية وسائل الإعلام، بما يسمح لمجموعات سياسية واقتصادية نافذة بالحفاظ على نفوذ واسع داخل المشهد الإعلامي، سواء عبر الملكية المباشرة أو غير المباشرة، أو الروابط العائلية والسياسية، أو المصالح الاقتصادية المشتركة، أو النفوذ الناتج عن التمويل أو السيطرة الإدارية.

 

قضية تقاطعية: لماذا لا يكفي تحديد نسبة الملكية وحدها؟

يتّضح مما سبق أن معالجة تركّز ملكية وسائل الإعلام ليست معادلة بسيطة يكفي فيها تحديد رقم واحد، كـ10% أو غيرها، لحلّها. فالتركز الإعلامي ظاهرة تقاطعية بامتياز، تتشابك فيها عناصر قانونية ومالية وسياسية وتنظيمية متعددة، بحيث إن أي تشريع يعالج عنصرًا واحدًا منها ويتجاهل البقية يترك ثغرة يمكن الالتفاف من خلالها على النية الأصلية للقانون. وبناءً على ما تطرحه التجارب المقارنة وآراء الخبراء القانونيين، يمكن حصر الأبعاد الأساسية التي يتوجب على أي تشريع فعّال أن يعالجها في آن واحد بما يأتي:

 

- الملكية المباشرة (نسبة الأسهم): وهي نقطة الانطلاق التقليدية، كما في سقف الـ10% المقترح في لبنان، لكنها تبقى، بمفردها، أداة محدودة الفعالية.

- السيطرة الفعلية مقابل الملكية الاسمية: إذ يمكن لمساهم يملك أقل من 10% من الأسهم أن يمارس سيطرة كاملة على مؤسسة إعلامية عبر اتفاقات بين المساهمين، أو أسهم ممتازة، أو نفوذ مالي أو سياسي، فيما قد لا يملك مساهم آخر بنسبة أعلى بكثير أي قدرة حقيقية على التأثير في قراراتها.

- الملكية غير المباشرة والمستفيد الحقيقي: عبر شركات قابضة، أو وكلاء، أو أفراد من العائلة، بما يسمح لمالك فعلي بالبقاء خارج دائرة الإفصاح الرسمي.

- الملكية المتقاطعة بين أنواع الوسائط: أي تركّز السيطرة على أكثر من نوع من وسائل الإعلام في آن واحد (تلفزيون، إذاعة، صحافة، منصات رقمية)، بما يمنح مالكًا واحدًا نفوذًا يتجاوز أي حصة سوقية مفردة.

- تمويل المؤسسة ومصادره: إذ قد يكون المموّل الفعلي أكثر تأثيرًا من المالك المسجّل، كما فُصِّل أعلاه.

- الروابط العائلية والسياسية والمصالح الاقتصادية المشتركة: التي تتيح لجهات نافذة ممارسة تأثير غير مباشر من دون الظهور في أي هيكل ملكية رسمي.

- معيار النفوذ الفعلي في الرأي العام (حصة الجمهور): بدلًا من الاكتفاء بنسبة الأسهم، كما تعتمد ألمانيا، حيث تُقاس درجة الهيمنة على أساس حصة المؤسسة من متابعة الجمهور لا حصتها في رأس المال فقط.

- استقلالية هيئة الإعلام وقدرتها الفعلية على التنفيذ: بما يشمل صلاحية كشف الملكية الفعلية، ومراقبة التمويل، وفرض العقوبات، بمنأى عن أي تأثير سياسي في تعيين أعضائها.

 

وخلاصة هذا التقاطع أن نجاح أي تشريع في حماية التعددية الإعلامية لا يقاس بصرامة الرقم الذي يضعه سقفًا للملكية، بل بمدى قدرته على إغلاق كل المنافذ الممكنة للالتفاف عليه في آن واحد.

 

مقاربة قانونية لحماية التعددية

في ظلّ الجدل الدائر حول فعالية القيود المقترحة على ملكية وسائل الإعلام، يوضح خبراء قانونيون أن هذه الضوابط ليست جديدة في التشريع اللبناني، بل تستند إلى مبادئ ومعايير اعتمدتها العديد من الديمقراطيات لحماية التعددية الإعلامية.

 

أساس تشريعي قائم منذ عام 1994

إذ يشرح الخبير القانوني والنائب السابق غسان مخيبر، في حديثٍ لـ"مهارات"، أنه من المهم الإشارة إلى أن الحدود الموضوعة على ملكية الأسهم في لبنان هي من الأحكام النافذة حاليًا في قانون البث التلفزيوني والإذاعي رقم ٣٨٢ تاريخ ٤/١١/١٩٩٤، التي تحدّ فيها المادة ١٣ من الملكية بنسبة ١٠٪ من أسهم شركات الإعلام التلفزيوني. وبذلك، فإن الأحكام الواردة في اقتراح القانون الجديد لا تستحدث هذا المبدأ، بل تكرّس الواقع التشريعي القائم في هذا المجال.

المادة 13:

تكون جميع أسهم الشركة إسمية على أن تنطبق على المساهمين فيها الشروط الآتية:

- على الشخص الطبيعي أن يكون لبنانيًا متمتعًا بالأهلية القانونية وغير محكوم عليه بجناية أو جنحة شائنة أو محروم من الحقوق المدنية.

- على الشخص المعنوي أن يكون شركة لبنانية صرف يحظر نظامها التفرغ عن الأسهم إلى غير أشخاص طبيعيين لبنانيين أو لغير شركات لبنانية صرف.

- لا يحق للشخص الطبيعي أو المعنوي الواحد أن يمتلك بصورة مباشرة أو غير مباشرة أكثر من 10% عشرة بالمئة من مجموع أسهم الشركة، ويعتبر الزوج أو الزوجة وأصولهما وفروعهما القاصرون بمثابة الشخص الواحد.

 

وفي ما يتعلق بالمبررات التي تستند إليها هذه القيود، يشير مخيبر إلى أن الفقه الدولي، والاجتهادات القضائية المقارنة، وتوصيات المنظمات الدولية المتخصصة، وفي مقدمتها اليونسكو (UNESCO)، تُجمع على أن وسائل الإعلام، ولا سيما التلفزيون، ليست مجرد مشاريع تجارية، بل مؤسسات تؤثر بصورة مباشرة في تكوين الرأي العام، والمسار الديمقراطي، ونتائج الانتخابات، وتشكيل الثقافة الوطنية. ومن هذا المنطلق، أصبحت حماية التعددية الإعلامية تُعدّ التزامًا إيجابيًا يقع على عاتق الدولة، وليس مجرد خيار سياسي.

 

ويضيف أن غالبية الدول الديمقراطية لا تترك مسألة ملكية وسائل الإعلام لقواعد السوق وحدها، وإنما تعتمد تشريعات خاصة تهدف إلى منع الاحتكار أو الحدّ من التركّز المفرط في الملكية أو السيطرة.

 

وفي المقابل، يلفت إلى أنه لا يوجد نموذج دولي موحّد يفرض سقفًا محددًا للملكية، إلا أن النسبة المقترحة في لبنان، والبالغة 10%، ليست غريبة عن فلسفة التشريعات المقارنة التي تهدف إلى تفكيك مراكز النفوذ الإعلامي. ولتحقيق هذا الهدف، تعتمد الدول مجموعة من المقاربات، أبرزها تحديد سقف لملكية الأسهم أو لحقوق التصويت، وإخضاع عمليات الدمج والاستحواذ لرقابة خاصة تتجاوز قواعد المنافسة العادية، والحدّ من الملكية المتقاطعة بين وسائل الإعلام المختلفة، بما فيها التلفزيون والصحف والإذاعات والمنصات الإعلامية، إضافة إلى اعتماد معايير تستند إلى النفوذ الفعلي في الرأي العام، وليس إلى نسبة الأسهم وحدها.

 

أما القضاء المقارن، فقد ذهب أبعد من ذلك، إذ اعتبرت المحكمة الدستورية الألمانية، في سلسلة من الأحكام البارزة، أن دور الدولة لا يقتصر على الامتناع عن التدخل في حرية الإعلام، بل يشمل أيضًا مسؤولية إيجابية تتمثل في منع نشوء مراكز إعلامية قادرة على احتكار تكوين الرأي العام. كما كرّست المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان المبدأ نفسه، عندما اعتبرت أن حماية التعددية الإعلامية تُعد جزءًا لا يتجزأ من حماية حرية التعبير، وأن من حق الدول اعتماد تشريعات تحدّ من تركّز ملكية وسائل الإعلام، متى كانت هذه القيود تستند إلى القانون، ومتناسبة وتهدف إلى حماية التعددية.

 

كما أن منظمة اليونسكو ومجلس أوروبا يؤكدان بدورهما أن التعددية الإعلامية لا تتحقق بمجرد كثرة المؤسسات الإعلامية، وإنما تستلزم أيضًا تنوعًا حقيقيًا في الملكية، وشفافية كاملة بشأن هوية المالكين والمستفيدين الحقيقيين، إلى جانب منع تركّز السيطرة الاقتصادية أو السياسية على وسائل الإعلام.

 

 

السيطرة الفعلية، لا الملكية الاسمية، هي المعيار الحاسم

ومن هذا المنطلق، يؤكد مخيبر أن تحديد سقف للملكية بنسبة 10% يمكن تبريره من منظور حماية التعددية الإعلامية، إلا أنه لا يشكل بالضرورة الأداة الوحيدة أو الأكثر فاعلية لتحقيق هذا الهدف. فقد يتمكن مساهم يملك أقل من 10% من الأسهم من ممارسة سيطرة فعلية على المؤسسة الإعلامية من خلال اتفاقات بين المساهمين، أو الأسهم الممتازة، أو النفوذ المالي أو السياسي، في حين قد لا يتمتع مساهم آخر يملك نسبة أعلى بأي قدرة حقيقية على التحكم في قرارات المؤسسة.

 

لذلك، تميل أفضل الممارسات الحديثة إلى اعتماد مجموعة متكاملة من الأدوات، تشمل وضع حدود للسيطرة الفعلية وليس على الملكية الاسمية فقط، وإلزام المؤسسات الإعلامية بالإفصاح عن المالكين الحقيقيين والمستفيدين النهائيين، وتنظيم الملكية المتقاطعة بين مختلف وسائل الإعلام، وإخضاع عمليات الدمج والاستحواذ لاختبار أثرها على التعددية الإعلامية وليس على المنافسة الاقتصادية فحسب، فضلًا عن اعتماد معايير ترتبط بحجم الجمهور أو النفوذ الإعلامي عند تقييم حالات التركز، وضمان حماية الاستقلال التحريري حتى في حال وجود مساهمين كبار، على أن تخضع جميع هذه الأحكام لرقابة الهيئة الناظمة، المتمثلة في اقتراح القانون اللبناني بالهيئة الوطنية للإعلام.

 

ويشير مخيبر إلى أنه في حين يعتبر بعض المنتقدين أن فرض سقف لملكية وسائل الإعلام يشكّل تدخلًا غير مبرر في حرية الاستثمار، فإن التجارب والتشريعات المقارنة تُظهر أن هذا النوع من القيود لا يُعد استثناءً، بل يمثل نهجًا معمولًا به في العديد من القطاعات التي قد يترتب على تركّز الملكية فيها مخاطر تمس المصلحة العامة.

 

لماذا يُعامَل الإعلام كالمصارف والاتصالات؟

ووفق مخيبر، القيود المفروضة على ملكية وسائل الإعلام لا تختلف، من حيث المبدأ، عن تلك المعتمدة في قطاعات أخرى ذات أهمية عامة. ففي القطاع المصرفي، على سبيل المثال، لا يستطيع أي شخص في معظم الأنظمة القانونية تملّك أو زيادة حصة مؤثرة في مصرف إلا بعد الحصول على موافقة مسبقة من السلطات الرقابية، حتى وإن كانت هذه الحصة أقل من نسبة السيطرة القانونية، لأن المصارف لا تُعدّ مجرد شركات خاصة، بل مؤسسات تؤثر بصورة مباشرة في الاستقرار المالي والاقتصاد الوطني. وفي العديد من الدول، تخضع الحصص التي تبلغ 10% أو 20% أو 30% أو 50% لموافقات تنظيمية متدرجة، باعتبار أن هذه النسب قد تمنح مالكها نفوذًا مؤثرًا حتى من دون امتلاك الأغلبية. كما تفرض تشريعات كثيرة قيودًا مماثلة على السيطرة في قطاعات الاتصالات والطاقة والطيران المدني والدفاع والبنى التحتية الحيوية، وتُخضع عمليات الاستحواذ فيها لرقابة حكومية خاصة، نظرًا لما قد يترتب عليها من آثار تمس الأمن الوطني أو المصلحة العامة.

 

أما في قطاع الإعلام، فيوضح مخيبر أن خصوصيته تكمن في أنه لا يقتصر على إدارة أموال أو بنى تحتية، بل يؤثر بصورة مباشرة في حرية تكوين الرأي العام، والعملية الديمقراطية، والانتخابات، والتعددية السياسية والثقافية. ولهذا، يعتبر الفقه المقارن أن المخاطر الناجمة عن احتكار النفوذ الإعلامي قد تفوق، في بعض الحالات، مخاطر الاحتكار الاقتصادي، لأنها تمس أحد الأسس الجوهرية للنظام الديمقراطي، والمتمثل في حق المواطنين في الوصول إلى معلومات وآراء متنوعة ومستقلة.

 

ومن هذا المنطلق، فإن القيود المفروضة على تركّز ملكية وسائل الإعلام لا تختلف من حيث المبدأ عن القيود المفروضة على ملكية المصارف أو شركات الاتصالات أو غيرها من المؤسسات ذات الأهمية العامة. فالهدف منها ليس المساس بحق الملكية أو تقييد حرية الاستثمار، وإنما منع تمركز سلطة مؤثرة في يد عدد محدود من الأشخاص عندما يكون من شأن هذا التمركز الإضرار بالمصلحة العامة.

 

 

وفي الخلاصة، يرى مخيبر أن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه المشرّع اللبناني لا يقتصر على ما إذا كان سقف الـ10% مرتفعًا أو منخفضًا، بل يتمثل في مدى قدرة المنظومة القانونية بمجملها على منع تمركز السلطة الإعلامية بصورة فعلية. فإذا كان بالإمكان الالتفاف على هذا السقف من خلال اتفاقات بين المساهمين، أو الملكية غير المباشرة، أو استخدام أشخاص مستعارين، أو عبر السيطرة الفعلية على الإدارة والسياسة التحريرية، فإن تحديد نسبة رقمية، مهما بلغت، لن يحقق الغاية المرجوة. أما إذا اقترن هذا السقف بقواعد واضحة وشفافة للإفصاح عن المالكين الحقيقيين، وضوابط تحدّ من السيطرة الفعلية والملكية المتقاطعة، إلى جانب منح الهيئة الوطنية للإعلام صلاحيات فعّالة لمراقبة عمليات تركّز الملكية، فإنه يشكل جزءًا من منظومة متكاملة لحماية التعددية الإعلامية.

 

من جهته، يؤكد الخبير القانوني الدكتور طوني مخايل أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في حجم ملكية الأسهم بحدّ ذاته، وإنما في معيار السيطرة الفعلية على المؤسسة الإعلامية. فقد يمتلك شخص 10% فقط من الأسهم، لكنه يمارس في الواقع سيطرة كاملة على الشركة من خلال اتفاقيات مع المساهمين الآخرين، أو عبر مجلس الإدارة، أو من خلال التمويل. وفي المقابل، قد يمتلك شخص آخر 40% من أسهم الشركة أو أكثر، من دون أن تكون له سيطرة فعلية على المؤسسة، إذا كانت القرارات بيد مساهمين آخرين أو أغلبية من المساهمين.

 

ويضيف أن المبدأ الذي ينبغي تكريسه هو السماح للمستثمر بممارسة سيطرته على مؤسسة إعلامية واحدة فقط، من دون أن تمتد هذه السيطرة إلى وسائل إعلامية أخرى. أما إذا توسعت هذه السيطرة لتشمل مؤسسات إعلامية إضافية، فينبغي أن تتدخل الهيئة الوطنية للإعلام لتقييم مدى تأثيرها في التعددية الإعلامية واتخاذ ما يلزم وفقًا لأحكام القانون.

 

 

الضمانة المؤسسية: هيئة للإعلام مستقلة فعليًا

من جانبه، يوضح الخبير الأوروبي في مركز أبحاث الإعلام والصحافة (MJRC)، ماريوس دراغومير، أن التطبيق الفعّال لقواعد الحدّ من تركّز ملكية وسائل الإعلام يرتكز، أولًا وقبل كل شيء، على وجود هيئة تنظيمية مستقلة ومحصّنة ضدّ تدخلات الحكومة ودورات التعيين السياسية، إذ إن الهيئة التي تُعيّنها الحكومة وتخضع لسيطرتها لا يمكنها أن تراقب بصورة موثوقة حالات تركّز الملكية التي قد تصب في مصلحة تلك الحكومة.

 

ويشير أيضًا إلى أن مجلس أوروبا ينظر إلى شفافية ملكية وسائل الإعلام والقيود المفروضة على تركّزها باعتبارهما شرطين أساسيين لتمكين المواطنين من تكوين آرائهم والتعبير عنها وتبادل المعلومات بحرية، انطلاقًا من أن هياكل الملكية تؤثر بصورة مباشرة في السياسات التحريرية للمؤسسات الإعلامية.

 

 

نماذج أوروبية: كيف تعالج دول أخرى المسألة؟

وفي موازاة النقاش الدائر في لبنان، تقدّم التجارب الأوروبية نماذج مختلفة لتنظيم ملكية وسائل الإعلام، إذ لا تقتصر آليات الحدّ من تركّز الملكية على تحديد نسب للتملك، بل تمتد إلى تقييم النفوذ الفعلي الذي تمارسه المؤسسات الإعلامية في تشكيل الرأي العام.

ويوضح دراغومير أن فرض قيود هيكلية على ملكية وسائل الإعلام يُعد من السمات الطبيعية لتنظيم قطاع البث في الأنظمة الديمقراطية الأوروبية، وإن كانت الآليات المعتمدة تختلف من دولة إلى أخرى.

 

ألمانيا: معيار حصة الجمهور بدل نسبة رأس المال

ويشير دراغومير إلى أن ألمانيا تعتمد نهجًا يقوم على قياس تركّز الملكية من خلال اختبار يستند إلى حصة الجمهور ومدى التأثير في الرأي العام، بدلًا من الاكتفاء بوضع سقف لنسبة المساهمة في رأس المال. وقد صُمم هذا الإطار لمنع أي شركة من اكتساب نفوذ مهيمن على الرأي العام، إذ تُعد نسبة 30% من حصة الجمهور المؤشر الأساسي لتدخل الجهة التنظيمية، فيما تُخفض هذه العتبة إلى 25% إذا كانت الشركة تتمتع أيضًا بموقع مهيمن في أسواق إعلامية أخرى ذات صلة. كما تُنسب القنوات إلى الشركات وفقًا لقواعد الملكية والسيطرة التي تطبقها لجنة تركّز ملكية وسائل الإعلام (KEK).

 

فرنسا: سقف رأس المال وقواعد الملكية المتقاطعة

أما في فرنسا، فيلفت دراغومير إلى أن التشريعات تتضمن قواعد خاصة للحد من تركّز الملكية، من بينها تحديد سقف يبلغ 49% من رأس المال وحقوق التصويت في الشركات الحاصلة على ترخيص للبث التلفزيوني الأرضي الوطني عندما يتجاوز متوسط نسبة المشاهدة السنوية الحد الذي يحدده القانون. كما تعتمد فرنسا قواعد تنظم الملكية المتقاطعة، إلى جانب ضمانات خاصة لحماية التلفزيونات المحلية.

 

الدرس المشترك: أي سقف ثابت قابل للالتفاف

ويؤكد دراغومير أن التجارب الأوروبية تُظهر أن تحديد نسبة ثابتة لسقف الملكية يُعد من أسهل القواعد من حيث الصياغة القانونية، لكنه في الوقت نفسه من أكثرها عرضة للتحايل، إذ يمكن ممارسة السيطرة الفعلية من خلال وكلاء، أو أفراد من العائلة، أو شركات قابضة، أو ترتيبات تمويل متقاطعة، بحيث تبقى كل حصة دون السقف المحدد من الناحية الشكلية. ولهذا السبب، تتجه الأنظمة التنظيمية الأكثر تطورًا إلى استكمال أو استبدال سقوف الملكية التقليدية باختبارات تستند إلى حصة الجمهور أو إلى قوة التأثير في الرأي العام، بحيث تُقيّم النفوذ الفعلي للمؤسسة الإعلامية، وليس مجرد هيكل ملكيتها الرسمي. كما تقترن هذه الآليات بمتطلبات للإفصاح عن الملكية المستفيدة الفعلية، بما يمكّن الجهات التنظيمية من تحديد الجهة التي تمارس السيطرة الحقيقية على المؤسسة الإعلامية.

 

الخلاصة: التعددية مسؤولية مشتركة

في المحصلة، تُظهر المناقشات الدائرة حول مشروع قانون الإعلام الجديد، إلى جانب التجارب الدولية وآراء الخبراء، أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تحديد سقف الملكية عند 10% بقدر ما يكمن في قدرة المنظومة القانونية على منع تركّز النفوذ الإعلامي وضمان التعددية. فحماية التعددية الإعلامية لا تتحقق بمجرد وضع نسبة قانونية للتملك، بل تتطلب منظومة متكاملة تقوم على شفافية الملكية، والكشف عن المستفيدين الحقيقيين، والشفافية في مصادر التمويل، والرقابة على السيطرة الفعلية والملكية المتقاطعة، إلى جانب هيئة تنظيمية مستقلة تمتلك الصلاحيات اللازمة لتطبيق القانون بفعالية.

 

وفي انتظار أن يحسم مجلس النواب موقفه من هذه المسائل، يبقى للمواطن، بصفته المستفيد الأول والأخير من أي إعلام حرّ ومتعدد، دور في متابعة هذا النقاش والمطالبة بتشريع يضمن فعليًا أن تبقى المعلومة التي تصله، نتاج تعدد حقيقي في الأصوات، لا انعكاسًا لمصالح عدد محدود من المالكين والممولين.

 

تم إعداد هذه النشرة ضمن مشروع "إصلاح الإعلام وتعزيز حرية التعبير في لبنان" بدعم من الاتحاد الأوروبي.