Trends Watch Alert Report ARB Aug 2026

حرب 2026 في الفضاء العام: سرديّات الإعلام حول إشكاليات الوطن

عاش لبنان، منذ تشرين الأول 2023، على وقع حرب بدأت على الحدود الجنوبية ثم اتسعت تدريجيًا لتطال مناطق لبنانية مختلفة، بما فيها العاصمة بيروت. ومع توسّع الحرب، لم تقتصر تداعياتها على الميدان العسكري، بل امتدت إلى الداخل اللبناني، وأعادت فتح الانقسامات السياسية والاجتماعية حول الحرب، وموقع لبنان منها، ومفهوم الدولة والوطن والمقاومة.


في هذا السياق، امتلأ الفضاء العام اللبناني بالمواقف وردود الفعل والسرديّات المتناقضة. الصحف، وسائل التواصل الاجتماعي، المؤثّرون وقادة الرأي لم يكتفوا بنقل ما يحدث، بل ساهموا أيضًا في رسم صور مختلفة للحرب، ولأطرافها، وللمجتمع اللبناني نفسه.

 

من هنا، أطلقت مؤسسة مهارات تقريرها الجديد «حرب ٢٠٢٦ في الفضاء العام: سرديّات الإعلام حول إشكاليات الوطن»، الذي أُعدّ بدعم من المنظمة الدولية للفرنكوفونية، ويحلّل الخطاب الاجتماعي والسياسي في الفضاء العام اللبناني خلال ثلاثة أشهر من الرصد، من نيسان إلى حزيران 2026، وهي فترة شهدت تصعيدًا كبيرًا في الحرب.


انطلق التقرير من مجموعة أسئلة أساسية: ماذا وثّقت الصحف عن الحرب؟ ما القضايا التي احتلت مساحة التغطية؟ ماذا تداول المؤثرون وصنّاع المحتوى؟ كيف رُويت الحرب؟ ما موقع المواطن الذي عاش الخوف والتهجير والخسارة في هذه التغطيات؟ والأهم، أي ذاكرة عن هذه الحرب يجري بناؤها للأجيال المقبلة؟



أظهرت نتائج التقرير أن التغطيات الإعلامية عكست بوضوح الشرخ العامودي في المجتمع اللبناني. برز طرفان متقابلان وسرديّتان متناقضتان للأحداث، فيما ضاقت المساحة أمام المواقف الواقعة خارج هذا الاستقطاب.


ولم يظهر الانقسام فقط في المواقف السياسية، بل أيضًا في اللغة نفسها. رصد التقرير خطابًا يقوم في أحيان كثيرة على الإقصاء والتخوين والتشكيك بالانتماء، ووصل أحيانًا إلى التهديد بالمحاسبة أو بالعنف. الآخر، وهو في الأصل شريك في الوطن، ظهر في بعض السرديّات كخصم، وأحيانًا كعدو.

 

كما عكست هذه السرديّات صراعًا أعمق على مفهوم الوطن وهويته ومستقبله، وعلى من يملك الرواية الصحيحة عنه. ولم تسلم حتى مؤسسات الدولة، المفترض أن تكون مساحة جامعة، من اتهامات بالخيانة أو التبعية.


بهذا المعنى، لم يعش اللبنانيون خلال حرب 2026 حربًا واحدة فقط، بل حربين متوازيتين: حربًا عسكرية على الأرض، وحربًا إعلامية على الرواية والمعنى.


ففي الوقت الذي دمّرت فيه الحرب العسكرية القرى والمنازل وأوقعت الضحايا، ساهمت حرب السرديّات في تعميق الانقسام وإعادة إنتاج لغة التحريض والتخويف والتخوين. ولم يعد الخطاب الإعلامي في بعض الأحيان ناقلًا للوقائع فقط، بل أصبح جزءًا من المعركة نفسها.
اختلطت الوقائع بالمعلومات المضلّلة، وطغى في أحيان كثيرة الخطاب الموجّه الساعي إلى أدلجة الجمهور. وأصبح الحدث الواحد يُروى بأشكال متناقضة تبعًا للجهة التي ترويه والموقف الذي تدافع عنه.



ولم يقتصر الصراع على تفسير الحاضر، بل امتد أيضًا إلى الذاكرة.
عملت كل سرديّة على بناء ذاكرة انتقائية خاصة بها، تختار أحداثًا وصورًا ورموزًا تنسجم مع رؤيتها وأهدافها، بدل المساهمة في بناء ذاكرة وطنية مشتركة. ومن خلال هذه السرديّات، يمكن أيضًا فهم كيف جرى شحن الجمهور، وكيف تمت شيطنة الآخر، وكيف انعكست الخلافات العميقة حول الوطن وهويته ومستقبله في الخطاب الإعلامي.


لكن وسط هذا الصراع الكبير على الرواية، برز غياب أساسي: المواطن.
طغت أخبار السياسيين وتصريحاتهم ومواقفهم على جزء كبير من التغطية، بينما بقيت قصص الناس اليومية ومعاناتهم في كثير من الأحيان على الهامش.

 

وراء كل عائلة تهجّرت، وكل ضحية سقطت، وكل بيت تهدّم، قصة كان يمكن للإعلام أن يوثّقها. ومع ذلك، أظهر الرصد أن التحقيقات الاجتماعية والتغطيات التي تتابع حياة المواطنين اليومية كانت محدودة جدًا في عدد من الصحف، باستثناء تجارب قدّمت مساحة أوسع للقضايا الإنسانية والاجتماعية، ومن بينها تغطية صحيفة «لوريان لوجور».


وفي الوقت نفسه، برز غياب آخر تمثل في ضعف التواصل الرسمي المستمر خلال الحرب. لم تكن هناك سرديّة وطنية رسمية حاضرة بصورة دائمة لتقديم الوقائع والمعلومات إلى المواطنين ووسائل الإعلام، بما يساعد على الحد من الفراغ المعلوماتي ومن انتشار التضليل والخطاب التحريضي.


في هذا الفراغ، تقدّمت سرديّات الأطراف المختلفة، حتى تحوّل الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي إلى مصدر يتابعه جزء من الجمهور اللبناني لمعرفة تطورات الميدان، وانتقلت بعض المصطلحات والتعابير المستخدمة في خطابه إلى جزء من الإعلام اللبناني، بما ساهم في تعزيز حضور السرديّة الإسرائيلية داخل الفضاء الإعلامي اللبناني.



يظهر التقرير في النهاية أن ما يبقى من الحرب لا يقتصر على ما حدث على الأرض.
يبقى أيضًا ما قيل عنها، وكيف رُويت، ومن كان حاضرًا في روايتها، ومن غاب عنها.
فالصحافة ووسائل التواصل لا توثّق الأحداث فقط، بل تساهم أيضًا في تشكيل الطريقة التي سيتذكّر بها المجتمع هذه الأحداث لاحقًا.

 

ومن خلال تحليل السرديّات المتنافسة خلال حرب 2026، يوثّق التقرير كيف انعكس الانقسام السياسي والاجتماعي على الفضاء العام، وكيف تحوّل الصراع على الحرب إلى صراع على الرواية والهوية والذاكرة.


اقرأوا التقرير الكامل:
باللغة العربية: حرب 2026 في الفضاء العام: سرديّات الإعلام حول إشكاليات الوطن
باللغة الإنجليزية: The 2026 War in the Public Sphere: Media Narratives Around National Issues
باللغة الفرنسية: La guerre de 2026 dans l’espace public: Les récits médiatiques autour des enjeux nationaux