اقتراح قانون الإعلام في لبنان: الحفاظ على جوهر الإصلاح ومعالجة المعلومات الكاذبة بما يتماشى مع المعايير الدولية
لماذا تهدد الفقرة (ب) من المادة 104 الانتقال من العقوبات الجزائية إلى المسؤولية المدنية؟
الملخص التنفيذي
يقف لبنان عند لحظة حاسمة في مسار إصلاح قطاع الإعلام. فبعد أكثر من ستة عشر عامًا من المناقشات التشريعية والمشاورات والمداولات النيابية، أصبح اقتراح قانون الإعلام أقرب من أي وقت مضى إلى الإقرار.
ويمثل اقتراح القانون أحد أبرز الإصلاحات التي شهدها التشريع الإعلامي في لبنان منذ عقود. فهو يحدّث الإطار القانوني المنظم لقطاع الإعلام من خلال استبدال العقوبات الجزائية بالمسؤولية المدنية في المخالفات المرتبطة بالنشر، وتعزيز حماية الصحافيين ومصادرهم، وترسيخ الشفافية في ملكية وسائل الإعلام وتمويلها، وتعزيز التعددية الإعلامية، وإنشاء إطار تنظيمي أكثر استقلالية.
ويرى التقرير أن بإمكان مجلس النواب الحفاظ على فرصة الإقرار الفوري لقانون الإعلام، بالتوازي مع حذف النص الذي يجرّم المعلومات الكاذبة. فحماية سلامة الفضاء المعلوماتي هدف عام مشروع وضروري، إلا أن التجارب المقارنة تظهر أن تحقيقه يكون بصورة أفضل من خلال الشفافية، ومساءلة المنصات، والتربية الإعلامية، وتدقيق المعلومات، والصحافة المستقلة، والتنظيم المحدد للأضرار القابلة للإثبات، لا من خلال جرائم جزائية فضفاضة تسمح للدولة بتحديد ما هو صحيح.
إذ إنّ التعديل الذي أُدخل خلال مداولات اللجان النيابية المشتركة لا يتماشى مع فلسفة الإصلاح نفسها.
تنص الفقرة (ب) من المادة 104 على أنه يجوز معاقبة كل شخص «يتعمد اختلاق معلومات مضللة وينشر أخباراً كاذبة وخبيثة» بالحبس مدة تتراوح بين ثلاثة أشهر وثلاث سنوات، إضافة إلى الغرامة.
ويعيد هذا النص إدخال المسؤولية الجزائية عن أفعال مرتبطة بالنشر، بعدما سعى اقتراح قانون الإعلام إلى استبدال العقاب الجزائي بالمسؤولية المدنية.
يبحث هذا التقرير الإعلامي الفقرة (ب) من المادة 104 في ضوء القانون الدولي لحقوق الإنسان، والممارسات المقارنة في الدول الديمقراطية، والمقاربات الأوروبية الحديثة في التعامل مع المعلومات الخاطئة والمضللة. ويستند إلى مقابلة أجرتها مؤسسة مهارات مع خبير السياسات الإعلامية الدولي ماريوس دراغومير، مدير مركز أبحاث الإعلام والصحافة الأوروبي.
فرصة تاريخية لإصلاح قطاع الإعلام
تمنح الجلسة المقبلة للهيئة العامة لمجلس النواب لبنان فرصة جدية لإقرار قانون إعلام حديث يعكس المعايير الديمقراطية المعاصرة.
ويتضمن اقتراح القانون مجموعة من الإصلاحات المنتظرة منذ سنوات، من أبرزها:
- • استبدال العقوبات الجزائية بالمسؤولية المدنية في النزاعات المرتبطة بالنشر؛
- • حماية المصادر الصحافية؛
- • تعزيز ضمانات حرية التعبير؛
- • تحسين شفافية ملكية وسائل الإعلام وتمويلها؛
- • إنشاء هيئة أكثر استقلالية لتنظيم قطاع الإعلام؛
- • تعزيز التعددية الإعلامية؛
- • الابتعاد عن الترخيص المسبق في عدد من مجالات النشاط الإعلامي.
وقد نوقشت هذه الإصلاحات على مدى أكثر من ستة عشر عاماً، ضمن مسار تشريعي واسع شارك فيه نواب وخبراء قانونيون ومؤسسات إعلامية وجمعيات مهنية ومنظمات من المجتمع المدني.
غير أن الحفاظ على هذه المكتسبات يتطلب التأكد من أن الأحكام التي أُدخلت في المراحل الأخيرة من المداولات لا تتعارض مع المبادئ التي بُني عليها الإصلاح.
الإنجاز الأساسي للإصلاح: إنهاء المسؤولية الجزائية عن مخالفات النشر
بحسب مدير مركز أبحاث الإعلام والصحافة ماريوس دراغومير، يشكل الانتقال من العقوبات الجزائية إلى المسؤولية المدنية الإنجاز الأساسي في اقتراح قانون الإعلام:
«كان الانتقال من العقوبات الجزائية إلى المسؤولية المدنية الإنجاز الأساسي للإصلاح، إذ أعاد توصيف مخالفات النشر بوصفها نزاعات بين أطراف تُسوّى عن طريق التعويض، لا باعتبارها جرائم ضد الدولة يُعاقب عليها بالسجن».
ويُعد هذا التمييز جوهرياً.
فالمسؤولية المدنية تهدف إلى تعويض الشخص الذي يستطيع إثبات أن النشر ألحق به ضرراً غير مشروع. ويكون على المدعي إثبات عناصر المسؤولية ذات الصلة، مع الحفاظ على حق المدعى عليه في الدفاع والاستئناف.
أما القانون الجزائي، فيتعامل مع النشر باعتباره جريمة ضد الدولة، ويعرّض الصحافيين والمحررين والمؤسسات الإعلامية والمدونين وغيرهم من أصحاب التعبير للشكاوى الجزائية والاستجواب والملاحقة والسجن.
وبالتالي، فإن استحداث جريمة جزائية تتعلق بالمعلومات «الكاذبة» أو «المضللة» لا يؤثر في مادة واحدة فحسب، بل يغيّر المنطق العام لإصلاح كان هدفه الأساسي إخراج النزاعات المرتبطة بالنشر من المجال الجزائي.
وكما يوضح دراغومير: «من منظور مقارن، يشكل ذلك تراجعاً عن اتجاه دولي واضح. فعلى مدى العقدين الماضيين، اتجهت الدول إلى إلغاء جرائم “الأخبار الكاذبة”، لا إلى استحداثها. ويخاطر لبنان بأن يصبح حالة معاكسة للاتجاه الدولي، في الوقت الذي كان يمكن أن يتحول فيه إلى نموذج إقليمي».
هل تجرّم الدول الديمقراطية المعلومات الكاذبة بصورة عامة؟
كقاعدة عامة، لا تستحدث الدول الديمقراطية جرائم جزائية فضفاضة تحظر المعلومات لمجرد كونها كاذبة.
وبحسب دراغومير، فإن الأحكام من هذا النوع، حيث لا تزال موجودة في التشريعات، غالباً ما تكون من بقايا الحقبة الاستعمارية. وكثير منها نادراً ما يُطبّق، أو أصبح معطلاً عملياً، أو أبطلته المحاكم بسبب تعارضه مع حرية التعبير.
وقد عالجت الدول الأوروبية المعلومات المضللة عموماً من خلال تدابير منهجية، بدلاً من استحداث جرائم جديدة تجرّم المحتوى.
فقد ركز قانون إنفاذ الشبكات الألماني، المعروف باسم NetzDG، على الإجراءات التي تتبعها منصات التواصل الاجتماعي في التعامل مع المحتوى الذي يُعد غير مشروع أصلاً بموجب القوانين القائمة. ولم ينشئ جريمة عامة جديدة تتعلق بنشر المعلومات الكاذبة.
أما المجر (هنغاريا)، فتقدم مثالاً تحذيرياً على مخاطر اعتماد النهج المعاكس.
ففي عام 2020، خلال حالة الطوارئ المرتبطة بجائحة كوفيد-19، عدّلت المجر أحكامها الجزائية المتعلقة بـ«إثارة الذعر». وسرعان ما استُخدم النص لاستجواب أشخاص وتخويفهم بسبب انتقادهم سياسات الحكومة وطريقة إدارتها للجائحة.
ويعتبر دراغومير أن المثال المجري يشكل نموذجاً واضحاً لكيفية استخدام الأحكام الفضفاضة المتعلقة بالمعلومات الكاذبة في الواقع، ليس أساساً ضد شبكات التضليل النافذة، بل ضد المنتقدين والأصوات المعارضة.
لذلك، استندت المقاربة الأوروبية الأوسع إلى تدابير من بينها:
- • الشفافية؛
- • مساءلة المنصات؛
- • التربية الإعلامية والمعلوماتية؛
- • تدقيق المعلومات بصورة مستقلة؛
- • دعم الصحافة المستقلة؛
- • إتاحة بيانات المنصات للباحثين؛
- • ضمانات خاصة بالانتخابات؛
- • حماية التعددية الإعلامية والاستقلال التحريري.
ماذا تقول المعايير الدولية لحقوق الإنسان؟
لا يمنع القانون الدولي لحقوق الإنسان الدول من تنظيم التعبير الذي يسبب ضرراً معترفاً به قانونًا.
إلا أن كل تقييد لحرية التعبير يجب أن يستوفي الاختبار الثلاثي المنصوص عليه في المادة 19، الفقرة الثالثة، من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
ويجب أن يكون أي تقييد:
- • منصوصًا عليه في قانون واضح ودقيق بالقدر الكافي؛
- • هادفًا إلى تحقيق إحدى الغايات المشروعة المحددة حصراً في القانون الدولي؛
- • ضروريًا ومتناسبًا مع الغاية المراد تحقيقها.
ولا تشكل المعلومات الكاذبة، بحد ذاتها، غاية مشروعة معترفاً بها بموجب المادة 19، الفقرة الثالثة.
وكما يوضح دراغومير: «الكذب في ذاته ليس غاية مشروعة، إذ لا يوجد حق في عدم التعرّض لمعلومات غير صحيحة». ولا يمكن تبرير المسؤولية الجزائية إلا عندما يندرج السلوك ضمن فئة معترف بها أصلاً ومحددة على نحو ضيق من الأفعال غير المشروعة.
ومن أبرز الأمثلة:
- • الدعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية التي تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف، وفقاً للمادة 20، الفقرة الثانية، من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية؛
- • الاحتيال، عندما يُستخدم الخداع عمداً للحصول على منفعة غير مشروعة أو لإحداث شكل محدد من الضرر؛
- • الأفعال الأخرى غير المشروعة بصورة مستقلة، التي تشكل فيها التصريحات الكاذبة عنصراً من عناصر جريمة محددة.
وبالتالي، ينبغي للقانون أن يعاقب الفعل غير المشروع بصورة مستقلة، لا مجرد المعلومات الكاذبة.
وعندما تضع دولة تشريعًا في هذا المجال، يجب أن يتضمن، في الحد الأدنى، الضمانات الآتية:
- • تعريفات قانونية واضحة ودقيقة؛
- • إثبات أن المتهم كان يعلم فعلياً أن المعلومات كاذبة؛
- • إثبات وجود نية محددة لإحداث الضرر؛
- • وجود خطر وشيك وقابل للإثبات بوقوع ضرر جسيم على مصلحة مشروعة؛
- • التمييز الواضح بين الادعاءات المتعلقة بالوقائع والآراء؛
- • استثناء السخرية والمحاكاة الساخرة والخطأ المرتكب بحسن نية؛
- • إتاحة الدفع بالمصلحة العامة؛
- • تحميل النيابة العامة عبء إثبات عدم صحة المعلومات؛
- • رقابة قضائية مستقلة؛
- • عدم فرض عقوبات سجنية على المخالفات المرتبطة بالنشر.
وتكتسب هذه الضمانات أهمية خاصة في العمل الصحافي، حيث تكون الوقائع موضع نزاع، وتتطور المعلومات بمرور الوقت، ويعتمد إعداد التقارير المتعلقة بقضايا المصلحة العامة في كثير من الأحيان على أدلة جزئية ومصادر سرية وادعاءات تنفيها جهات نافذة.
أوروبا اختارت تنظيم البيئة المعلوماتية لا تحديد الحقيقة
ركزت المبادرات الأوروبية المتعلقة بالمعلومات المضللة إلى حد كبير على الأنظمة التي تنتشر المعلومات من خلالها، بدلاً من إنشاء سلطات رسمية مخولة الفصل في ماهية الحقيقة.
وكما يوضح دراغومير: «الدرس الأساسي هو أن أوروبا اختارت تنظيم الانظمة التي تنشر المعلومات، بدلاً من الفصل في ماهية الحقيقة».
يركز قانون الخدمات الرقمية للاتحاد الأوروبي على مسؤوليات المنصات الإلكترونية، ولا سيما المنصات ومحركات البحث الكبرى جداً.
وبدلاً من اعتبار المعلومات الكاذبة جريمة جزائية، يفرض قانون الخدمات الرقمية على المنصات المشمولة به:
- • تقييم المخاطر المنهجية الناجمة عن خدماتها؛
- • اتخاذ تدابير للحد من هذه المخاطر؛
- • تعزيز شفافية سجلات الإعلانات؛
- • توفير معلومات عن الخوارزميات؛
- • الخضوع لعمليات تدقيق مستقلة؛
- • إتاحة البيانات ذات الصلة للباحثين المعتمدين؛
- • تحسين الضمانات الإجرائية للمستخدمين.
ويركز القانون على تصميم المنصات، وآليات تضخيم المحتوى، وأنظمة الإعلانات، وإدارة المخاطر، مع إبقاء تحديد مشروعية الخطاب نفسه خاضعاً للمعايير القانونية القائمة.
أما القانون الأوروبي لحرية الإعلام، فيتناول جانب إنتاج المعلومات في البيئة الإعلامية. وتهدف تدابيره إلى تعزيز:
- • الاستقلال التحريري؛
- • حماية المصادر الصحافية؛
- • الضمانات ضد استخدام برامج التجسس بحق الصحافيين؛
- • شفافية ملكية وسائل الإعلام؛
- • الشفافية والعدالة في توزيع الإعلانات الحكومية؛
- • استقلالية الهيئات الناظمة للإعلام؛
- • تقييم عمليات التركّز في السوق الإعلامية وتأثيرها في التعددية.
ولا ينشئ أي من القانونين جريمة عامة تتعلق بنشر «المعلومات الكاذبة»، كما لا ينشئ أي منهما هيئة مسؤولة عن تحديد ما يشكل الحقيقة.
وتقوم المقاربة الأوروبية على أن سلامة الفضاء المعلوماتي تعتمد على مؤسسات ديمقراطية أقوى، وأسواق إعلامية شفافة، ومنصات خاضعة للمساءلة، وصحافة مستقلة، وبيانات متاحة، وجمهور يمتلك المعرفة اللازمة.
لماذا تثير الفقرة (ب) من المادة 104 مخاوف جدية؟
لا تنبع المخاوف المحيطة بالفقرة (ب) من المادة 104 من عدم أهمية المعلومات المضللة أو من اعتبار أن السلوك الضار يجب أن يبقى من دون مساءلة.
بل تنبع من صياغة النص والعقوبات الجزائية المرتبطة به.
وتنص الفقرة (ب) من المادة 104 على الآتي: «كل من يتعمد اختلاق معلومات مضللة وينشر أخباراً كاذبة وخبيثة، يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات وبالغرامة المحددة بخمسة أضعاف الحد الأدنى للأجور وصولاً إلى خمسة عشر ضعفاً، أو بإحدى هاتين العقوبتين».
وتثير عدة عناصر في النص مخاوف جدية من منظور المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
⦿ مفاهيم غير معرّفة
لم يعرّف النص مصطلحات «المعلومات المضللة» و«الأخبار الكاذبة» و«الخبيثة».
ويمكن أن تخضع هذه المفاهيم لتفسيرات واسعة ومختلفة من جانب النيابات العامة والقضاة والمسؤولين العامين وأصحاب الشكاوى. وبذلك، لا يستطيع الشخص أن يتوقع بصورة معقولة أي منشورات قد تعرّضه للمسؤولية الجزائية.
⦿ عدم التمييز بين الوقائع وأشكال التعبير المحمية
لا يميّز النص بوضوح بين:
- • الادعاءات المتعلقة بالوقائع؛
- • الرأي والتعليق؛
- • الخطاب السياسي؛
- • السخرية؛
- • المحاكاة الساخرة؛
- • التحليل الصحافي؛
- • الخطأ المرتكب بحسن نية.
ويُمارس العمل الصحافي تحت ضغط الوقت وفي ظروف من عدم اليقين. وقد يتبين لاحقاً أن بعض المعلومات غير مكتملة أو غير دقيقة، من دون أن تكون قد اختُلقت بسوء نية.
⦿ غموض العنصر المعنوي
تترك عبارة «يتعمد اختلاق... وينشر» النية المطلوبة غير واضحة.
فليس مؤكداً ما إذا كان يجب إثبات القصد بالنسبة إلى الاختلاق والنشر معاً، أو ما إذا كان ينبغي إثبات علم المتهم بكذب المعلومات، أو ما إذا كان الصحافي الذي يعيد نشر معلومات يتبين لاحقاً أنها غير دقيقة قد يتعرض للملاحقة.
⦿ عقوبات غير متناسبة
تنص الفقرة (ب) من المادة 104 على عقوبة حبس تتراوح بين ثلاثة أشهر وثلاث سنوات.
وكما يقول دراغومير: «إن فرض عقوبة سجن تتراوح بين ثلاثة أشهر وثلاث سنوات على مخالفة مرتبطة بالنشر يتعارض، في حد ذاته، مع المعايير الدولية، ويبدو متناقضاً بصورة لافتة مع إصلاح يقوم على المسؤولية المدنية».
ويصبح هذا التناقض أكثر وضوحاً لأن اقتراح القانون نفسه يسعى، في أحكام أخرى، إلى إنهاء السجن والملاحقات الجزائية في المخالفات المرتبطة بالنشر.
لماذا لا يحل القانون الجزائي مشكلة المعلومات المضللة؟
إضافة إلى أوجه القصور القانونية، يخلق تجريم المعلومات الكاذبة مخاطر عملية كبيرة.
⦿ أثر مقيّد على الصحافة ذات المصلحة العامة
غالباً ما تتعامل الصحافة الاستقصائية مع وقائع متنازع عليها، ووثائق غير مكتملة، وشهادات متعارضة، وأدلة تتضح مع مرور الوقت.
وقد يقرر الصحافي عدم النشر إذا خشي أن ترفض المحكمة لاحقاً أدلته، أو تتبنى رواية مختلفة للأحداث، أو تعتبر الخطأ عملاً خبيثاً.
وبالتالي، يرجح أن يقع الأثر الرادع الأكبر على أنواع الصحافة الأكثر ضرورة للمساءلة الديمقراطية، بما في ذلك التحقيقات المتعلقة بالفساد، والإنفاق العام، وإساءة استخدام السلطة، والمؤسسات الأمنية، والمصالح التجارية المرتبطة بالسياسيين.
⦿ الانتقائية في تطبيق القانون
نادراً ما تُطبق الجرائم الفضفاضة المتعلقة بالمعلومات الكاذبة بالتساوي.
فهي تُستخدم في الواقع في كثير من الأحيان ضد المنتقدين والصحافيين والناشطين وأصوات المعارضة، لا ضد الجهات السياسية أو الاقتصادية النافذة التي تنظم حملات التضليل الواسعة أو تمولها.
ويخلق الجمع بين المصطلحات الغامضة والسلطة التقديرية للنيابات العامة خطراً مرتفعاً بأن يعكس تطبيق القانون موازين القوة السياسية، بدلاً من الضرر الموضوعي.
⦿ تحوّل الإجراءات نفسها إلى عقوبة
حتى عندما لا تنتهي الملاحقة بالإدانة، تفرض الإجراءات الجزائية تكاليف جسيمة.
فالاستدعاءات والاستجواب والتفتيش والتدابير السابقة للمحاكمة والنفقات القانونية والجلسات المتكررة واستمرار عدم اليقين يمكن أن تعاقب الصحافيين والمؤسسات المستقلة الصغيرة قبل صدور أي حكم نهائي.
وقد تبدأ الإجراءات أساساً بهدف ترهيب الصحافي أو استنزافه، من دون وجود نية جدية للوصول إلى إدانة.
⦿ تحوّل النيابات والمحاكم إلى جهات تحدد الحقيقة
تضع الجريمة الفضفاضة المتعلقة بالمعلومات الكاذبة أو المضللة النيابات العامة والمحاكم في موقع تحديد الحقيقة التاريخية أو العلمية أو السياسية.
وهذه الجهات غير مهيأة مؤسساتياً لأداء هذا الدور، ولا سيما في المجتمعات المنقسمة وفي القضايا المرتبطة بروايات سياسية متنازع عليها.
وقد يؤدي ذلك إلى نقل النقاش العام إلى المحاكم وتسييسه.
⦿ تهديد المصادر والمبلّغين
تبدأ التحقيقات الصحافية، ولا سيما المتعلقة بالفساد، غالباً بوثائق غير مكتملة أو بمعلومات يقدمها مصدر سري.
ويثني خطر الملاحقة الجزائية المبلّغين عن مشاركة المعلومات، كما قد يؤدي إلى الضغط على الصحافيين للكشف عن مصادرهم.
وبذلك، يضعف النص الآليات الصحافية الضرورية لكشف التضليل المنظم والفساد وإساءة استخدام السلطة.
⦿ غياب الدليل على الفعالية
لا توجد أدلة مقنعة على أن المسؤولية الجزائية تحدّ من انتشار المعلومات الكاذبة.
فالتضليل ينتشر في كثير من الأحيان من خلال شبكات سياسية منظمة، وأنظمة تضخيم المحتوى على المنصات، وحسابات مجهولة، وعمليات عابرة للحدود، وإعلانات مدفوعة. ولا يعالج تجريم أفعال النشر الفردية هذه الأسباب البنيوية.
وكما يخلص دراغومير: «سيتحمّل لبنان جميع التكاليف من دون أن يحقق أياً من الفوائد، كما سيقوّض المكسب المتعلق بسمعة لبنان الذي كان يفترض أن يحققه الإصلاح نفسه».
الحفاظ على الإصلاح من دون تأخير إقراره
ترى المديرة التنفيذية لمؤسسة مهارات، رلى مخايل، أن أمام لبنان فرصة فعلية لإقرار أحد أكثر قوانين الإعلام تقدمًا في المنطقة.
ولا ينبغي خسارة الإصلاحات التي يتضمنها اقتراح قانون الإعلام بعد ستة عشر عاماً من العمل التشريعي، كما لا ينبغي إعادة فتح المسار التشريعي بكامله بسبب مادة واحدة أُضيفت في المراحل الأخيرة.
وتكمن الاستجابة المناسبة في تصحيح محدد يحافظ على المكتسبات الأساسية للقانون، مع إزالة تجريم المعلومات الكاذبة.
وتقول المديرة التنفيذية لمؤسسة مهارات، رلى مخايل: «لا ينبغي للبنان أن يخسر الفرصة التاريخية لإقرار قانون الإعلام بعد ستة عشر عاماً من النقاش. والمطلوب ليس إعادة الاقتراح بكامله إلى بداية المسار التشريعي، بل الحفاظ على مكتسباته الإصلاحية وإزالة الالتباس الذي أحدثته الفقرة (ب) من المادة 104. فلا تُحمى سلامة الفضاء المعلوماتي بسجن الصحافيين، بل بالشفافية والصحافة المستقلة والتربية الإعلامية وتدقيق المعلومات ومساءلة المنصات والتنظيم المستقل».
وتبقى حماية سلامة البيئة المعلوماتية هدفاً عاماً أساسياً، ولا سيما خلال الانتخابات والنزاعات والأزمات الاقتصادية وحالات الطوارئ الصحية.
إلا أن التجارب الدولية تظهر أن تحقيق هذا الهدف يكون بصورة أفضل من خلال:
- • شفافية ملكية وسائل الإعلام وتمويلها؛
- • استقلالية تنظيم الإعلام؛
- • دعم الصحافة المهنية والمستقلة؛
- • حماية المصادر والمبلّغين؛
- • التربية الإعلامية والمعلوماتية؛
- • تدقيق المعلومات بصورة مستقلة؛
- • شفافية الإعلانات السياسية والرقمية؛
- • إتاحة بيانات المنصات للباحثين؛
- • تقييم المنصات للمخاطر وخضوعها لتدقيق مستقل؛
- • ضمانات خاصة بالانتخابات؛
- • سبل الانتصاف المدنية في حالات الضرر القابل للإثبات.
وتستهدف هذه التدابير الظروف التي تسمح بانتشار المعلومات المضللة، من دون استحداث جريمة جزائية فضفاضة يمكن استخدامها ضد الصحافة ذات المصلحة العامة.
خمس رسائل إلى النواب قبل الجلسة المقبلة
• أولًا: أمام لبنان فرصة تاريخية لإقرار قانون الإعلام بعد أكثر من ستة عشر عاماً من العمل التشريعي.
• ثانيًا: يشكل الانتقال من العقوبات الجزائية إلى المسؤولية المدنية الإنجاز الأساسي للإصلاح، ويجب الحفاظ عليه كمكسب اساسي يحوله إلى نموذج إقليمي يحتذى به.
• ثالثًا: لا تبرر كذبية المعلومات، بمفردها، العقاب الجزائي وفقاً للمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
• رابعًا: تعالج الممارسات الفضلى الدولية والأوروبية المعلومات المضللة من خلال مساءلة المنصات والشفافية والتعددية الإعلامية وتدقيق المعلومات والتربية الإعلامية والصحافة المستقلة، لا من خلال الجرائم الجزائية الفضفاضة.
• خامسًا: يمكن لحذف الفقرة (ب) من المادة 104 أو إعادة صياغتها بصورة جوهرية أن يحافظ على الإصلاح من دون تأخير القانون أو إعادة فتحه بالكامل.
تم إعداد هذه النشرة ضمن مشروع "إصلاح الإعلام وتعزيز حرية التعبير في لبنان" بدعم من الاتحاد الأوروبي.

