IMG 9380

خمس تجارب شبابية تلتقي على حماية نزاهة المعلومات والمشاركة الديمقراطية

في بعلبك، حين سأل فريق حملة "مش سرّ" مواطنين وموظفين عن الحق في الوصول إلى المعلومات، تبيّن أنّ المعرفة بهذا الحق محدودة، حتى لدى بعض العاملين في الإدارات العامة. تحوّلت هذه الملاحظة إلى حملة توعوية وتدريبات، ثم إلى خطوة عملية بتقديم طلبات معلومات إلى بلديات في المنطقة. وخلال ثلاثة أسابيع، حقّق محتوى الحملة نحو 70 ألف مشاهدة، فيما تعرّف بعض المتدرّبين للمرة الأولى إلى حقّهم في طلب المعلومات واستخدامها للمساءلة.

كانت هذه واحدة من خمس تجارب شبابية عُرضت خلال منتدى الشباب حول نزاهة المعلومات والمشاركة الديمقراطية، الذي نظّمته مؤسسة مهارات في 24 تشرين الأول 2026، في فندق راديسون بلو – فردان. التقت فيه مجموعات من بيروت وجبل لبنان وبعلبك وعكّار وصيدا وطرابلس، بعدما عملت على تحديات تمسّ مجتمعاتها: من غياب المعلومات حول الإنفاق العام، إلى شائعات واتساب، والتضليل الانتخابي، وخطاب الكراهية ضدّ النساء.

جمع المنتدى نحو 50 شابًا وشابة، إلى جانب ممثلين عن المؤسسات العامة والجامعات والإعلام والمجتمع المدني، ضمن الأسبوع العالمي للتربية الإعلامية والمعلوماتية. وجاء تتويجًا لمشروع "تمكين الشباب من أجل نزاهة المعلومات والمشاركة الديمقراطية في لبنان"، المنفّذ بدعم من وزارة الخارجية الألمانية الاتحادية، من خلال معهد العلاقات الثقافية الخارجية الألماني (ifa) وبرنامج الدعم zivik.

 

خمس حملات تبدأ من أسئلة الناس

إلى جانب تجربة "مش سرّ" التي قدّمتها مريم أبو خضر، عرضت ديان كروم حملة "عينك على الشراء العام" لمجموعة بيروت وجبل لبنان. انطلقت الحملة من ضعف معرفة الصحافيين الشباب وطلاب الصحافة بآليات الإنفاق والشراء العام، وأنتجت عشرة فيديوهات توعوية، بلغ أحدها 20 ألف مشاهدة. وساعدت التجربة المشاركين على فهم القانون وإمكانية استخدام طلبات المعلومات لمتابعة عمل البلديات ومساءلتها.

وفي عكّار، واجهت حملة "عكّار تتحقّق" سرعة انتشار الأخبار غير الدقيقة عبر وسائل التواصل ومجموعات واتساب. وأوضح عبد الرحمن خالد أنّ الفريق، بالتعاون مع منصة "سبوت كاست"، عمل على ترسيخ التحقق قبل التصديق أو المشاركة. ومن أبرز دروسه أنّ استخدام أمثلة قريبة من حياة الناس وتصحيح المعلومات باحترام يساعدان على بناء الحوار والثقة.

أمّا في صيدا، فاختارت حملة "اكشفها" مواجهة البروباغندا والتضليل السياسي أثناء الانتخابات. وقدّمت جنى الحنفي تجربة الفريق بالتعاون مع "سما صيدا"، والتي شملت خمسة فيديوهات ومنشورات تشرح أدوات التحقق ومادتين بصيغة "كاروسيل". وبلغ الوصول، بحسب العرض، 11.7 ألفًا على إنستغرام وتجاوز 22 ألفًا على تيك توك، انطلاقًا من قناعة بأنّ الحاجة إلى الوعي تستمرّ حتى في حال تأجيل الانتخابات.

ومن طرابلس، عرضت زينة حمود حملة "ليش هي؟" لمواجهة خطاب الكراهية ضدّ النساء في عصر الذكاء الاصطناعي. طوّر الفريق محتوى يبسّط المفاهيم ويشجّع على التفكير قبل النشر، وجمعه في مساحة مخصّصة على منصة "أنا المحتوى".

أظهرت التجارب كيف انتقل الشباب من التعلّم إلى التدريب وإنتاج المحتوى والتعامل مع الإدارات والمجتمعات المحلية. كما كشفت حاجتهم إلى معلومات متاحة وشراكات ودعم يتيح استمرار مبادراتهم.

 

ما الذي تحتاج إليه هذه المبادرات لتستمرّ؟

انطلاقًا من العروض، ناقشت حلقة "كيف نحمي نزاهة المعلومات في أوقات الأزمات؟" مسؤوليات الجهات المختلفة في مواجهة التضليل وتعزيز المشاركة الديمقراطية.

شدّدت المديرة العامة للشؤون السياسية واللاجئين في وزارة الداخلية والبلديات، فاتن يونس، على دور الإعلام في وصل الجمهور بالمرشحين والإدارة الانتخابية، وأهمية إتاحة المعلومات الرسمية والتحقق قبل إعادة النشر. وحذّرت من استخدام الصور والأصوات المصطنعة للإساءة إلى المرشحات، داعيةً إلى تعزيز التثقيف السياسي ومشاركة الشباب.

وربط ممثل برنامج بناء السلام في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، رامي جبور، مواجهة التضليل بالتماسك الاجتماعي، مبرزًا دور الصفحات والمبادرات المحلية القريبة من الجمهور، والحاجة إلى تبادل الأدوات والخبرات والتعلّم المستمر.

ومن الجانب الأكاديمي، أكّد الدكتور إدمون بو داغر، من جامعة الروح القدس – الكسليك، أهمية ربط التعليم بالممارسة المهنية وتسهيل الوصول إلى المعلومات، لأنّ حجبها يترك فراغًا قد تملؤه معلومات مضلّلة. ودعت الدكتورة سيما حمادة، من جامعة هايكازيان، إلى إدماج التربية الإعلامية والمعلوماتية منذ المدرسة وعبر الاختصاصات، متوقّفةً عند أثر التضليل الصحي في الحياة اليومية.

وأكّدت المديرة التنفيذية لمهارات، رلى مخايل، أنّ المسؤولية الفردية عن التحقق تحتاج إلى بيئة داعمة تتيح المعلومات والتدريب، وإلى توثيق التجارب وتحويل دروسها إلى توصيات وسياسات تعزّز الشفافية والمساءلة.

 

أربع مجموعات لتحويل النقاش إلى إجراءات

بعد حلقة النقاش، توزّع المشاركون على أربع مجموعات عمل، حدّدت التحديات والجهات المعنية بالتدخل، ثم عرضت خلاصاتها أمام المنتدى:

• مواجهة خطاب الكراهية: أوصت المجموعة بمعايير واضحة تحمي حرية التعبير، وتدريب الصحافيين على التغطية الحساسة للجندر، ودعم الصحافيات في مواجهة التهديدات، وتحسين آليات الإبلاغ ومساندة المبادرات الشبابية.

• الوصول إلى المعلومات والمساءلة: دعت إلى تطبيق القانون والنشر الحكمي والرد ضمن المهل القانونية، وتعيين موظفي معلومات ورقمنة المستندات، وتسهيل تقديم الطلبات ومتابعتها.

• التحقق خلال الأزمات والانتخابات: شدّدت على التأنّي قبل النشر، والتدريب العملي، وإنشاء شبكات تعاون بين الصحافيين ومدقّقي المعلومات والجامعات والمبادرات المحلية، وإشراك البلديات في إيصال المعلومات الموثوقة.

• الذكاء الاصطناعي: أوصت بسياسات واضحة في غرف الأخبار تضمن المراجعة البشرية والإفصاح وحماية البيانات، وتعزيز مهارات التحقق، وتحسين الاستجابة للابتزاز والتحرّش والمحتوى المصطنع المضلّل، مع حماية الحقوق وحرية التعبير.

 

وفي ختام المنتدى، بلور المشاركون التزامًا مشتركًا من أجل نزاهة المعلومات والمشاركة الديمقراطية: أن يتحققوا قبل المشاركة، ويرفضوا خطاب الكراهية والتمييز، ويطالبوا بحقهم في المعلومات ويستخدموا أدوات المساءلة، ويتعاملوا بمسؤولية مع الذكاء الاصطناعي، ويحوّلوا المعرفة إلى مبادرات تستمرّ في مجتمعاتهم المحلية.

للاطّلاع على نصّ الالتزام بصيغة PDF، اضغطوا هنا