العنف ضدّ النساء في السياسة: خطاب اقصائي يتجاوز حرية النقد
🧠 لماذا نهتم؟
على الرغم من تصاعد مشاركة النساء في الحياة السياسية اللبنانية، لا يزال العنف ضدّ النساء في السياسة (VAWP) يظهر في الخطاب السياسي والاعلامي، حيث يتم الانتقال من نقد المواقف إلى السخرية الشخصية، التنميط، والإهانة، بما يهدف إلى تقويض الشرعية السياسية للنساء وإقصائهن عن النقاش العام. يشكّل رصد هذه الممارسات وتسميتها ضرورة لحماية الحقّ في المشاركة السياسية المتكافئة، ولمنع تطبيع خطاب يُعيد إنتاج التمييز ويحوّل الإهانة إلى ممارسة مقبولة في الحياة العامة. الحالتان الأخيرتان اللتان طالتا النائبتين حليمة قعقور وندى البستاني تعكسان هذا النمط بوضوح.
📍 ما هي حالة العنف؟
🔎 الحالة الأولى: خطاب تقليلي وشخصي بدل نقاش مضمون الموقف السياسي للنائبة حليمة قعقور
خلال حلقة برنامج «صار الوقت» بتاريخ 29 كانون الثاني 2026، علّق رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع على موقف للنائبة حليمة قعقور خلال جلسة مجلس النواب بالقول: «ما منقدر نلحّق النائبة حليمة قعقور عالكوكب اللي هي فيه».
العبارة، التي قُدِّمت في سياق ساخر، قوبلت بالضحك من مقدّم البرنامج مارسيل غانم وبعض الضيوف، من دون أي مساءلة أو تدخل مهني، ما ساهم في تمرير خطاب تقليلي وشخصي بدل نقاش مضمون الموقف السياسي الذي طرحته النائبة.
كما لم يقتصر دور مقدّم البرنامج مارسيل غانم على الضحك أو تمرير السخرية، بل ذهب أبعد من ذلك عبر الإيحاء باتهام النائبة حليمة قعقور بالتعامل مع أجهزة أمنية، حين قال، "نحنا كمان مصدومين متلك بمسارها، منحس بعض قادة الأجهزة الأمنيين السابقين هني لدايرينها يعني للأسف"، في عبارة تحمل تشكيكًا ضمنيًا بنزاهتها واستقلاليتها السياسية.
هذا الإيحاء لم يُقدَّم على شكل سؤال مهني أو استيضاح سياسي، بل جاء كتعليق ساخر ومباشر، من دون أي دليل أو مساءلة، ما حوّل دور مقدّم البرنامج من ناقل للنقاش إلى فاعل في إنتاج خطاب اتهامي يمسّ السمعة والشرعية السياسية لنائبة منتخبة.
🧯 الحالة الثانية: وسمٌ مهين وحملة تشهير ضدّ النائبة ندى البستاني
في الحلقة نفسها، وعند مناقشة ملف الكهرباء، وصف جعجع النائبة ندى البستاني بـ «الفنكلوزة تبعو» في اشارة الى تبعيتها السياسية الى رئيس حزب التيار الوطني الحر جبران باسيل، وهو توصيف مهين لا يمتّ إلى النقد السياسي بصلة.
لاحقًا، أعاد جعجع استخدام الوصف ذاته في منشور على منصة X، ما أسهم في إطلاق حملة رقمية واسعة استخدمت الوسمين:
#فنكلوزة – #فنكلوزا
الحملة تجاوزت الأفراد لتشمل حسابات حزبية ومنصات إعلامية، وحوّلت الوصف إلى أداة تشهير ممنهجة استهدفت شخص النائبة ومكانتها السياسية.
⚠️ لماذا تُعدّ هذه الحالات عنفًا ضدّ النساء في السياسة؟
هذه الوقائع تندرج ضمن العنف النفسي والجندري، حيث:
- جرى تقويض الشرعية السياسية للنائبتين في البرلمان اللبناني عبر السخرية والإهانة بدل مناقشة مواقفهما.
- استُخدمت أوصاف تنميطية وشخصية للإساءة الى صورتهما العامة.
- تمّ تطبيع الإهانة عبر الضحك والتواطؤ الإعلامي، ما حوّل العنف إلى ممارسة مقبولة في النقاش العام.
- تم نقل الخطاب من السخرية إلى التشكيك بالوطنية والنزاهة حيث تم توظيف اتهامات فضفاضة ذات بعد أمني لتقويض شرعية امرأة في موقع سياسي. هذا الامر يكرّس نمطًا يُستخدم تاريخيًا ضد النساء في المجال العام، حيث يتم ربطهن بولاءات مشبوهة أو أدوار خفية بدل مناقشة مواقفهن السياسية بموضوعية. كما يندرج هذا السلوك ضمن خطاب بطريركي يُعيد إنتاج نفسه عبر التبرير أو الصمت الإعلامي، ويُضفي شرعية ضمنية على الإهانة والتشهير.
هذا النمط لا يستهدف المواقف بقدر ما يستهدف النساء كفاعلات سياسيات، وهو ما يشكّل جوهر العنف ضدّ النساء في السياسة (VAWP).
🗣️ كيف تعامل الخطاب العام والإعلامي معها؟
- انتشر خطاب مطَبِّع ومؤيِّد لما ورد في البرنامج، خصوصًا على منصة X.
- تحوّل توصيف «فنكلوزة» إلى وسم تشهيري متداول على نطاق واسع.
- شاركت بعض المنصات الإعلامية في إعادة إنتاج الخطاب الهجومي، بدل مساءلته.
- علت بعض اصوات من المجتمع المدني النسوي لتشدد على ان الاختلاف السياسي حق لا ان السخرية من النساء في السياسة مرفوضة.
🧩 ردّ النائبتين
- حليمة قعقور اعتبرت في مداخلة إعلامية أن الهجوم شخصي وغير مهني، ويعكس ضيقًا من خطاب السيادة والمساءلة.
- ندى البستاني تلقت دعمًا رسميًا من اللجنة المركزية للمرأة في التيار الوطني الحر، التي دانت الإهانة ووصفتها بالإفلاس السياسي والخروج عن قواعد النقاش الديمقراطي.
📊 موقف مؤسسة مهارات
ترى مؤسسة مهارات أن ما ورد في حلقة «صار الوقت» وما تبعها من تفاعلات رقمية وإعلامية يشكّل حالتين واضحتين من العنف ضدّ النساء في السياسة.
إن استخدام السخرية والأوصاف المهينة من قبل ضيف الحلقة وهو شخصية سياسية قيادية وتواطؤ الاعلامي المحاورعبر الضحك أو الصمت او التعليق المهين لا يندرج ضمن حرية التعبير أو النقد السياسي، بل يُعدّ عنفًا جندريًا يهدف إلى الإقصاء والتشهير.
كما تؤكد مهارات أن الحملات الرقمية المرافقة، ولا سيما تلك التي استهدفت النائبة ندى البستاني، تمثّل نموذجًا صارخًا للعنف الإلكتروني المنهجي، الذي يستغل المنصات الرقمية لإسكات النساء وتقويض مشاركتهن السياسية.
وتعتبر مؤسسة مهارات أن الإيحاء باتهام النائبة حليمة قعقور بالتعامل مع أجهزة أمنية، كما ورد على لسان مقدّم البرنامج، يشكّل خرقًا خطيرًا للمعايير المهنية والأخلاقية، ويتجاوز حدود النقد السياسي المشروع إلى التشهير والاتهام غير المستند إلى وقائع.
إن تمرير اتهامات ذات طابع أمني أو تخويني، خصوصًا حين تستهدف امرأة في موقع سياسي، يعمّق العنف الجندري ويضاعف أثره، لما يحمله من تهديد معنوي وقانوني وسياسي.
✅ ما الذي يجب القيام به؟
التزام الجميع بمبادئ النقاش العام القائم على احترام تنوع الآراء وتعدديتها وحرية الاختلاف السياسي والفصل الواضح بين النقد السياسي والعنف الجندري كما وادانة هذا العنف ورفضه وعدم مشاركته.
📣 خلاصة
تؤكد مؤسسة مهارات أن العنف ضدّ النساء في السياسة ليس حادثًا عابرًا ولا رأيًا سياسيًا، بل نمط بنيوي يهدد التعددية والديمقراطية. ومن دون بيئة إعلامية وسياسية آمنة للنساء، تبقى المشاركة السياسية منقوصة، ويستمر إقصاء نصف المجتمع من الفضاء العام.
اضغط هنا لنسخة PDF للتقرير: العنف ضدّ النساء في السياسة: خطاب اقصائي يتجاوز حرية النقد

