استهداف الصحافيين من الجريمة إلى المساءلة القانونية

استهداف الصحافيين: من الجريمة إلى المساءلة القانونية

شكّلت حادثة استهداف الإعلاميين علي شعيب وفاطمة فتوني والمصوّر محمد فتوني في جزين من قبل العدو الإسرائيلي محطة مفصلية أعادت تسليط الضوء على استهداف الصحافيين خلال النزاعات، ليس فقط كخسارة إنسانية ومهنية، بل كقضية قانونية تطرح مسألة المساءلة بشكل مباشر. وقد أثارت هذه الواقعة تفاعلًا واسعًا من قبل الرأي العام، وسلّطت الضوء على المخاطر المتزايدة التي يواجهها الصحافيون أثناء أداء عملهم، في ظلّ غياب ضمانات الحماية الفعلية.

 

لكن هذا التفاعل، على أهميته، لا يكفي وحده، إذ تبرز الحاجة إلى مقاربة قانونية واضحة تستند إلى قواعد القانون الدولي الإنساني، الذي يعتبر الصحافيين مدنيين يتمتعون بالحماية ويُجرّم استهدافهم بشكل مباشر. وفي هذا الإطار، تكتسب عملية توثيق هذه الانتهاكات أهمية محورية، باعتبارها الخطوة الأولى نحو تحويلها إلى ملفات قانونية قابلة للملاحقة. ومع إعلان وزير الإعلام بول مرقص عن تحرّكات رسمية لإعداد ملف وتقديم شكاوى أمام جهات دولية، واحتمال اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية، يسلّط هذا التقرير الضوء على المسارات القانونية المتاحة لمحاسبة مرتكبي هذه الجرائم، بعيدًا عن أي اعتبارات سياسية.

 

ماذا تقول الاتفاقيات والمواثيق الدولية؟

في هذا السياق، يصبح من الضروري العودة إلى المرجعيات القانونية الدولية لفهم طبيعة هذه الجرائم، وطرق تصنيفها، وآليات التعامل معها. إذ تؤكد هذه القواعد على ضرورة تمكين الصحافيين من ممارسة عملهم بحرية، وضمان محاسبة من ينتهكون حقوقهم لمنع الإفلات من العقاب، على الرغم من أن تطبيق هذه الحماية على أرض الواقع يشكّل تحديًا كبيرًا في العديد من النزاعات المعاصرة.

 

وتُعتبر اتفاقية جنيف والبروتوكول الإضافي الأوّل، القاعدة الأساسية لحماية الصحافيين أثناء الحروب والنزاعات المسلّحة، إذ تنصّ المادة 79 من البروتوكول صراحة على اعتبار الصحافيين مدنيين يتمتعون بحماية مباشرة ما لم يشاركوا في الأعمال القتالية. وإلى جانب هذه الاتفاقية وبروتوكولها، هناك العديد من القرارات والخطط والتقارير أبرزها:

 

- قرارا مجلس الأمن رقم 1738 (2006) ورقم 2222 (2015) واللذان أكّدا على ضرورة حماية الصحافيين والعاملين في قطاع الإعلام خلال النزاعات المسلحة والحروب.

 

- سلسلة من القرارات لمجلس حقوق الإنسان، كالقرار رقم 59/15 الصادر عام 2025 - الذي طُلب فيه من المفوض السامي إجراء دراسة لتقييم فعالية حماية الصحافيين على المستوى الوطني، وتقديم توصيات لتكييف الأطر القانونية لمواجهة التهديدات الرقمية والقانونية والجنائية الجديدة -  هذه القرارات شدّدت على ضرورة التزام الدول بحماية الصحافيين وضمان التحقيق في الجرائم المرتكبة بحقهم ومحاسبة المسؤولين عنها، باعتبار أن الإفلات من العقاب يُعدّ أحد أبرز أسباب استمرار الاعتداءات على الصحافة.

 

خطة عمل الأمم المتحدة بشأن سلامة الصحافيين ومسألة الإفلات من العقاب التي تدعو إلى اتخاذ إجراءات عملية لحماية الصحافيين، وتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة في حقهم، ونشر الوعي حول أهمية سلامتهم باعتبارها شرطًا أساسيًا لحرية التعبير والديمقراطية.

 

- تقارير المقرر الخاص بحرية الرأي والتعبير، الذي أشار إلى أنّ الاعتداء على الصحافيين يشكّل تهديدًا لحرية الرأي والتعبير، وأن الإعلام لا يستطيع العمل بحرية واستقلالية في ظلّ الخوف والتهديد الذي يعيشه الصحافيون.

 

- كما يُعدّ استهداف الصحافيين عمدًا جريمة حرب وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

 

في الإطار نفسه، يؤكد وزير الإعلام بول مرقص في تصريح لـ"مهارات" أن القانون الدولي الإنساني لا يُجيز، تحت أي مبرر، الاعتداء على الصحافيين، وأن اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية لعام 1977 تُعد ملزمة لجميع الدول، سواء كانت موقّعة عليها أم لا، باعتبارها جزءًا من القواعد الإنسانية الراسخة.

 

ويوضح أن المادة 79 لا تقتصر على تحييد الصحافيين، بل تمنحهم حماية صريحة، ما يجعل أي استهداف لهم غير مشروع تحت أي ظرف. كما يشدّد على أن وزارة الإعلام ترفض بشكل قاطع هذا النهج الإسرائيلي، ولن تتهاون مع استمرار الانتهاكات بحق الصحافيين، متعهدًا باتخاذ الإجراءات اللازمة في هذا الإطار.

 

 

إجراءات قانونية لمتابعة القضية

يُلزم القانون الدولي الإنساني بحماية الصحافيين باعتبارهم مدنيين أثناء النزاعات المسلحة. كما أن المسارات المتاحة لمحاسبة المعتدين على الأطقم الإعلامية اللبنانية خلال الحرب متنوعة، وأسس المحاسبة في القتل المتعمّد للصحافيين ترتكز على مزيج من القانون الدولي الإنساني، والقانون الجنائي الدولي، وعلى الدولة اللبنانية كطرف في ميثاق الأمم المتحدة واتفاقياتها أن تلجأ إلى آليات الولاية القضائية وشبه القضائية المتاحة.

 

ولتحقيق نتيجة فعلية، يجب أن تتحرك الدولة اللبنانية وفق معادلة ثلاثية يشرحها المستشار القانوني في مؤسسة مهارات، الدكتور طوني مخايل وهي على الشكل التالي:

1. بناء ملف قانوني متماسك بمساعدة المنظمات المتخصصة والخبرات الداخلية والدولية.

2. مسار محلي ودولي متعدد القنوات

3. ضغط سياسي – إعلامي مستمر

 

ويؤكد مخايل على ضرورة تكامل هذه العناصر، إذ إن غياب أي منها يُبقي الملف محصورًا في إطار الإدانة السياسية من دون أن يرتقي إلى مستوى المساءلة الفعلية.

 

 

الدولة اللبنانية بدأت باتخاذ خطوات عملية وفق وزير الإعلام، وتمّ إجراء العديد من التحركات أولها التعاون مع وزارة الخارجية والمغتربين لإعداد ملف تقدمه الخارجية إلى المنابر الدولية مثل مجلس حقوق الإنسان ومجلس الأمن، والصليب الأحمر الدولي.

 

ويضيف مرقص أن الوزارة كثّفت تحرّكاتها الدبلوماسية في هذا الملف، عبر لقاء المنسّقة الخاصة للأمم المتحدة وتسليمها مذكرة احتجاج، حيث أبدت تضامنها مع الموقف اللبناني. كما عُقدت لقاءات مع سفيرة الاتحاد الأوروبي وعدد من السفراء ورؤساء البعثات الأوروبية، تم خلالها تسليم مذكرات مماثلة، وقد أعربوا بدورهم عن دعمهم.

 

وتابع: "أجرينا أيضًا اتصالًا مع مندوبة لبنان لدى اليونسكو، السفيرة هند درويش، التي تعمل مع اللجنة الخاصة لحماية الصحافيين في اليونسكو،  لإصدار موقف واضح في هذا الشأن. كذلك التقينا ممثل اليونسكو في بيروت، وراسلنا المدير العام للمنظمة، إلى جانب سلسلة اتصالات ولقاءات أخرى".هذه الجهود شملت أيضًا زيارة رئيس الحكومة، الذي يتولى بدوره التواصل مع مندوبة لبنان لدى مجلس حقوق الإنسان، في إطار حشد الدعم الدولي.

 

 

إلى جانب ما سبق، تبرز مسارات قانونية أخرى يمكن للبنان اللجوء إليها، من بينها التوجّه نحو القضاء الدولي. وفي هذا السياق، يوضح الدكتور طوني مخايل أن هذا الخيار يتم عبر مسارين، اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية، التي تختص بمحاسبة الأفراد المتورطين في قتل الصحافيين، (سواء من نفّذ الجريمة أو أمر بها أو تقاعس عن منعها أو معاقبة مرتكبيها). إلا أن هذا المسار يتطلّب من لبنان قبول اختصاص المحكمة، نظرًا لكونه ليس طرفًا في نظام روما الأساسي المنشئ لها.

 

كما يمكن اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليًا، بما في ذلك انتهاكات القانون الدولي الإنساني، وما يترتب عليها من التزامات مثل وقف الانتهاكات، وضمان عدم تكرارها، وتعويض المتضررين.

 

كذلك، يوجد التوجه نحو المحاكم ذات الولاية القضائية العابرة للحدود، حيث يمكن للأفراد وأصحاب المصلحة اللجوء إلى القضاء الفرنسي أو الألماني أو البلجيكي لملاحقة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة، بغضّ النظر عن مكان وقوع الجريمة أو جنسية الأطراف، في إطار مكافحة الإفلات من العقاب، وقد تصدر النيابات العامة المختصة مذكرات توقيف دولية بحق المشتبه فيهم.

 

بالإضافة إلى ذلك، يمكن تثبيت الولاية القضائية الوطنية عبر تحريك القضاء اللبناني من خلال فتح تحقيق جزائي رسمي، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، بما في ذلك إصدار مذكرات توقيف غيابية بحق المشتبه فيهم، ما يعزز اختصاص الدولة ويؤكد سيادتها القضائية.

 

وأخيرًا، يمكن اللجوء إلى الآليات والقنوات الأممية من خلال توثيق الانتهاكات وممارسة الضغط القانوني تمهيدًا للمساءلة، عبر تفعيل الآليات الدولية، بما في ذلك:

- مخاطبة الأمين العام للأمم المتحدة والتعاون مع مفوضية الأمم لحقوق الإنسان لتوثيق الانتهاكات وإدراجها ضمن آليات المتابعة الدولية.

- مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة من خلال طلب إنشاء لجنة تحقيق أو تقصّي حقائق.

- الإجراءات الخاصة للأمم المتحدة، عبر تقديم شكاوى إلى المقررين الخاصين المعنيين.

 

 

توثيق الجرائم جوهري لكشف الحقيقة

يشكل قتل الصحافيين في سياق الحروب والنزاعات المسلحة انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني، وقد يرقى إلى جريمة حرب باعتبارهم مدنيين محميين بموجب اتفاقيات جنيف ما لم يشاركوا مباشرة في الأعمال العدائية. الأمر الذي يستدعي دائمًا توثيق هذه الجرائم  لضمان الوصول إلى المحاسبة.

 

بناءً عليه، تؤكد مسؤولة حملات في منظمة العفو الدولية (Amnesty International) في لبنان، رينا وهبي، في حديث لـ "مهارات أن توثيق الجرائم يُعدّ أمر جوهري ومهم لكشف الحقيقة، وحفظ الأدلة، وتحديد طبيعة الاستهداف، سواءً كان متعمدًا أو عشوائيًا أو غير متناسب، بما يفتح الباب أمام محاسبة المسؤولين، بما في ذلك أمام المحكمة الجنائية الدولية، ويعزز مبدأ عدم الإفلات من العقاب.

 

وتلفت وهبي إلى أن عملية التوثيق يجب أن تتم وفق معايير مهنية بما يراعي المعايير الدولية، وتشمل تحليل طبيعة الضربة وظروفها، وجمع شهادات الشهود بشكل آمن، والتحقق من الأدلة الرقمية، مثل الصور والفيديوهات وصور الأقمار الصناعية، مع تحديد زمانها ومكانها بدقة. كما يتطلب ذلك دراسة السياق العسكري لتقييم مشروعية الهجوم، ورصد أي نمط متكرر من الاستهداف، إلى جانب حفظ الأدلة بما يضمن سلامتها وقابليتها للاستخدام القانوني.

 

وفي قضية مقتل الصحافي عصام عبد الله إثر استهداف إسرائيلي في تشرين الأول 2023، برزت أهمية التوثيق المستقل والمهني بوضوح. فقد أجرت منظمات دولية وهيئات إعلامية تحقيقات معمّقة استندت إلى تحليل المواد المصوّرة وشهادات الشهود والبيانات التقنية، لتحديد طبيعة الهجوم وتوصيفه كجريمة حرب. وشكّلت هذه الجهود أساسًا متينًا لمساعي المساءلة الجارية اليوم، إذ تستند إليها عائلة عبدالله في مطالبها بالعدالة وجبر الضرر، وتستخدمها كأدلة داعمة للضغط باتجاه فتح تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين.

 

غير أن هذا المسار وفق وهبي، يظلّ منقوصًا في ظلّ غياب تحرّك لبناني رسمي يرتقي إلى مستوى هذه الجريمة. إذ لم تبادر السلطات إلى إجراء تحقيق شامل، مستقل وشفاف، أو إلى توثيق الانتهاك وفق المعايير الدولية بما يضمن حفظ الأدلة وقابليتها للاستخدام القضائي. كما لم تُتخذ خطوات جدية لفتح مسارات لطلب العدالة، سواء على المستوى المحلي أو الدولي. ومع استمرار استهداف الصحافيين، تزداد الحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى تحرّك سريع من السلطات اللبنانية وأن تضطلع بمسؤولياتها في إجراء تحقيقات جدية وفعّالة تفتح الطريق أمام المساءلة.

 

في النهاية، يرتبط أي توثيق أو مطلب بالمساءلة بواقع تفلت إسرائيل من الالتزام بالقوانين والمعايير الدولية. ويعلّق الوزير مرقص بالقول: "عندما نعمل، لا ننتظر ضمان النتائج، فلو تأكدنا أن النتيجة غير مضمونة، يفقد العمل حافزيته. لذلك، نحافظ على حافزنا القائم على إيماننا والتزامنا بحماية الصحافيين وسلامتهم، ورفضنا قبول الاعتداء كأمر واقع. كذلك، علينا القيام بواجبنا حتى لو لم تتطابق النتائج دائمًا مع توقعاتنا. وفي المقابل، يظلّ التوثيق، والموقف الواضح، والمطالبات أدوات مهمة يمكن الاستفادة منها أمام اللجان الدولية لحقوق الإنسان".

 

 

وتقع على عاتق الدول مسؤوليات واضحة بموجب القانون الدولي الإنساني والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لضمان حماية الحق في الحياة وحرية التعبير. وتشمل أبرز هذه الالتزامات وفق رينا وهبي، فتح تحقيقات مستقلة ونزيهة وفعّالة في جميع حالات القتل، قادرة على تحديد المسؤولين بما في ذلك ضمن سلاسل القيادة - ومحاسبتهم، إلى جانب تأمين مسار قضائي يفضي إلى محاكمات عادلة، وضمان حق الضحايا وعائلاتهم في العدالة وجبر الضرر، بما يشمل التعويض وإعادة الاعتبار.

 

كما يمكن للدول ترجمة هذه الالتزامات بحسب وهبي من خلال خطوات عملية ومتكاملة. ففي السياق اللبناني، ومع تصاعد المخاطر التي يواجهها الصحافيون، يُفترض بالسلطات توثيق هذه الهجمات وفق معايير مهنية ودولية، وفتح تحقيقات فعّالة بشأنها، بالتوازي مع اتخاذ إجراءات أوسع لتعزيز المساءلة. ويشمل ذلك الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية بما يوفّر مسارًا دوليًا للمحاسبة، إضافة إلى تفعيل التعاون مع آليات الأمم المتحدة المعنية، ولا سيما المقرّرين الخاصين الذين يتولّون رصد الانتهاكات وتوثيقها وإصدار تقارير وتوصيات مستقلة. كما تبرز ضرورة إدراج جرائم الحرب صراحة في التشريعات الوطنية، بما يضمن مواءمة القانون اللبناني مع المعايير الدولية، ويتيح ملاحقة هذه الجرائم أمام المحاكم المحلية. ويُعدّ اعتماد هذه الإجراءات خطوة أساسية نحو تحقيق العدالة، وحماية الصحافيين، ووضع حدّ لهذه الجرائم.