Media Alert Oct 2026 Web Cover

من المسؤولية الجزائية إلى المدنية: ما مصير دعاوى النشر العالقة في ظل قانون الإعلام الجديد والعفو العام؟

دخل قانون الإعلام الجديد رقم ٦٩/٢٠٢٦ حيّز التنفيذ في لبنان، حاملاً تغييراً أساسياً في كيفية التعامل مع المسؤولية الناشئة عن النشر والتعبير. فبعدما كانت قضايا القدح والذم تُلاحق جزائياً، انتقل القانون، في الحالات التي يشملها، إلى اعتماد المسؤولية المدنية، مع الإبقاء على التجريم بالنسبة إلى أفعال محددة، أبرزها التحريض على الكراهية والعنف والأخبار الكاذبة التي تستوفي الشروط القانونية لتجريمها.

ويتزامن تطبيق هذا الإصلاح مع صدور قانون العفو العام رقم ٧٠/٢٠٢٦، الذي شمل بعض الجرائم التي بقيت معاقباً عليها، متى ارتُكبت قبل الأول من آذار ٢٠٢٦ ولم تندرج ضمن الاستثناءات القانونية.

 

وهذا التزامن يطرح أسئلة جديدة حول مصير الشكاوى والتحقيقات والدعاوى المتعلقة بالنشر التي لا تزال عالقة أمام النيابات العامة أو قضاة التحقيق أو محكمة المطبوعات وسائر المحاكم الجزائية.

 

فهل تستمر الملاحقة الجزائية عن فعل لم يعد القانون يعتبره جرمًا؟ وماذا عن الجرائم التي بقيت مجرّمة لكنها أصبحت مشمولة بالعفو العام؟ وكيف تُطبّق الأحكام الانتقالية على الملفات العالقة، من دون المساس بحقوق المتقاضين، ولا سيما الحق في التعويض؟

 

التحدي اليوم هو ضمان التطبيق الفعلي للانتقال إلى المسؤولية المدنية، مع التمييز بين زوال الصفة الجرمية عن الفعل وسقوط الدعوى العامة بفعل العفو، بما يحفظ حرية التعبير وحقوق المتضررين في آن واحد.

 

القانون غيّر طبيعة المسؤولية، وليس فقط المحكمة المختصة

لم يقتصر الإصلاح الذي أدخله قانون الإعلام الجديد على إعادة تنظيم الاختصاص القضائي أو إلغاء محكمة المطبوعات. فقد أعاد تحديد طبيعة المسؤولية القانونية عن بعض أفعال النشر.

فالمادة 107 تُخضع القدح والذم، ضمن نطاق القانون، لقواعد المسؤولية المدنية وفق قانون الموجبات والعقود، بما يتيح للمتضرر المطالبة بالتعويض أمام القضاء المختص. كما تنص المادة 111 على إنشاء غرفة مدنية ابتدائية في كل محافظة للنظر في شبه جرائم الرأي والإعلام.

 

وبذلك، لم يعد الهدف من مساءلة الصحافي أو الناشر عن هذه الأفعال فرض عقوبة جزائية، بل تمكين المتضرر، عند توافر شروط المسؤولية، من الحصول على تعويض عن الضرر اللاحق به.

 

إلا أن هذا التحول لا يتحقق بمجرد صدور القانون. فهو يقتضي أن تتوقف الملاحقات الجزائية عن الأفعال التي لم تعد تشكل جرائم، وأن تُطبّق المحاكم النظام القانوني الجديد على القضايا القائمة، مهما كان تاريخ تقديم الشكوى.

 

التداخل مع قانون العفو العام: ثلاث حالات يجب التمييز بينها

أضاف صدور قانون العفو العام بُعداً جديداً إلى معالجة دعاوى النشر العالقة. فلم يعد كافياً تحديد ما إذا كان الفعل لا يزال مجرّماً بموجب قانون الإعلام الجديد، بل أصبح من الضروري أيضاً التحقق من تاريخ ارتكابه ومدى شموله بالعفو.

وهنا يجب التمييز بين ثلاث حالات:

 

◉ الحالة الأولى: أفعال زالت عنها الصفة الجرمية.

تشمل أفعال القدح والذم التي أخضعها قانون الإعلام الجديد للمسؤولية المدنية، متى لم تنطبق الوقائع على أي وصف جزائي آخر نافذ. في هذه الحالة، ينبغي إنهاء الملاحقة الجزائية وفق المرحلة التي بلغتها الدعوى، بصرف النظر عن تاريخ ارتكاب الفعل، عملاً بالقانون الجزائي الأصلح.

◉ الحالة الثانية: أفعال بقيت مجرّمة لكنها مشمولة بالعفو العام.

تشمل الجرائم التي أبقى قانون الإعلام الجديد على تجريمها، مثل التحريض على الكراهية وحالات نشر الأخبار الكاذبة، إذا ارتُكبت قبل الأول من آذار ٢٠٢٦ ولم يشملها أحد الاستثناءات القانونية. وفي هذه الحالة، تسقط الدعوى العامة بفعل العفو، رغم استمرار الصفة الجرمية للفعل.

◉ الحالة الثالثة: أفعال بقيت مجرّمة ولا يشملها العفو العام.

إذا ارتُكبت هذه الأفعال ابتداءً من الأول من آذار ٢٠٢٦، فلا تستفيد من العفو العام، وتبقى خاضعة للملاحقة الجزائية وفق الأحكام النافذة، متى توافرت جميع العناصر القانونية للجريمة.

 

ويكتسب هذا التمييز أهمية أساسية، لأن زوال الصفة الجرمية بموجب قانون الإعلام يختلف قانونياً عن سقوط الدعوى العامة بفعل العفو، ولا سيما لجهة الاختصاص القضائي والحقوق المدنية.

 

المادة ١١٧: كيف تعالج الدعاوى العالقة؟

حاول المشرّع معالجة وضع الدعاوى العالقة من خلال المادة ١١٧ من قانون الإعلام، التي ميّزت بين حالتين.

الحالة الأولى تتعلق بالشكاوى والملاحقات التي كانت لا تزال أمام النيابات العامة عند نفاذ القانون، حيث نصت المادة على "إحالتها إدارياً إلى المحكمة المختصة" وفقاً لأحكام القانون الجديد.

أما الحالة الثانية، فتشمل الدعاوى التي أصبحت قيد النظر أمام مراجع قضائية أخرى، كقضاة التحقيق ومحاكم الحكم، حيث نص القانون على استمرار هذه المراجع في النظر فيها، مع تطبيق الأحكام الجديدة.

لكن الإشكالية الأساسية تكمن في عبارة "الإحالة الإدارية".

 

ففي النظام الإجرائي اللبناني، لا تشكّل إحالة ملف من النيابة العامة الجزائية إلى محكمة مدنية آلية معتادة. ذلك أن الدعوى الجزائية تحكمها قواعد تختلف عن الأصول التي تُقام وفقها دعوى التعويض أمام القضاء المدني.

 

وهذا يطرح سؤالًا عمليًا: كيف يمكن تنفيذ الإحالة التي نص عليها القانون؟

إن قراءة المادة ١١٧ في ضوء الغاية الإصلاحية للقانون تقتضي إعطاء الإحالة الإدارية مفعولاً عملياً حيث تكون ممكنة قانوناً وإجرائياً، مع احترام القواعد التي تنظّم الخصومة المدنية وحقوق الأطراف.

 

لكن تعذّر الإحالة الإدارية لا يمكن أن يبرّر استمرار ملاحقة جزائية عن فعل لم يعد القانون يعتبره جرماً.

فالغموض في آلية نقل الملف لا يغيّر الطبيعة القانونية للفعل، ولا يعيد إلى القضاء الجزائي صلاحية ملاحقة أفعال انتقلت إلى نطاق المسؤولية المدنية.

 

ماذا يجب أن يحصل للدعاوى العالقة أمام المراجع القضائية المختلفة؟

تبدأ معالجة أي ملف عالق بالتحقق مما إذا كان الفعل موضوع الملاحقة لا يزال يشكّل جرماً بموجب قانون الإعلام الجديد، ثم تحديد ما إذا كانت الدعوى العامة مشمولة بالعفو.

وبحسب المرحلة التي بلغتها الدعوى، تختلف الإجراءات الواجب اتخاذها.

 

أمام النيابات العامة، يقتضي إعادة تقييم الوقائع وفق القانون الجديد. فإذا زالت الصفة الجرمية عن الفعل، يمكن حفظ أوراق التحقيق أو الملاحقة جزائياً، مع مراعاة الإحالة الإدارية المنصوص عليها في المادة ١١٧ حيث تكون ممكنة قانوناً. أما إذا بقي الفعل مجرّماً وكان مشمولاً بالعفو، فتُتخذ الإجراءات المترتبة على سقوط الدعوى العامة.

 

وأمام قاضي التحقيق، يكون المآل إصدار قرار بمنع المحاكمة إذا جرّد القانون الجديد الفعل من وصفه الجرمي، أو توافر سبب قانوني لسقوط الدعوى العامة، بما فيه العفو العام. وتبقى هذه القرارات خاضعة لطرق الطعن المقررة قانوناً.

أما أمام محاكم الحكم، فيقتضي تطبيق القانون الجديد على الدعاوى العالقة، وإنهاء الملاحقات التي زال أساسها الجزائي، مع مراعاة أحكام العفو العام بالنسبة إلى الجرائم التي بقيت مجرّمة.

 

ولا يؤدي إلغاء محكمة المطبوعات بموجب المادة ١١٩ إلى رفع يدها فوراً عن جميع الدعاوى القائمة أمامها. فوفق القراءة القانونية للمادة ١١٧، تستمر المحكمة في نظر الملفات العالقة ضمن ولاية انتقالية محدودة، مع تطبيق قانون الإعلام الجديد وأحكام العفو العام عند الاقتضاء، من دون استقبال دعاوى جديدة.

وهكذا، لا يكفي تحديد المحكمة المختصة، بل يجب أيضاً تحديد طبيعة الفعل، وتاريخ ارتكابه، ومرحلة الدعوى، والأحكام القانونية التي تنطبق عليه.

 

متى تبقى الملاحقة الجزائية ممكنة؟

إن الانتقال إلى المسؤولية المدنية لا يعني أن جميع الأفعال المرتكبة بواسطة وسائل الإعلام أو النشر أصبحت خارج نطاق التجريم.

فالمادة ١٠٤ أبقت على المسؤولية الجزائية عن أفعال محددة، منها التحريض على العنف ضد الأشخاص والجماعات وفق الشروط التي حددها القانون، وكذلك تعمّد اختلاق أضاليل ونشر أخبار كاذبة ومؤذية.

لكن الإبقاء على هذه الجرائم يفرض على القضاء التحقق بدقة من توافر عناصرها القانونية، وعدم التوسع في تفسيرها بما يؤدي إلى إعادة تجريم أفعال أراد المشرّع إخضاعها للمسؤولية المدنية.

 

وتبرز هذه المسألة خصوصاً عندما تكون الدعوى قد أقيمت أصلاً بجرم القدح أو الذم، ويُطرح بعد نفاذ القانون احتمال إعادة توصيف المنشور على أنه خبر كاذب.

فمجرد كون المنشور مسيئاً إلى شخص أو ماساً بسمعته لا يجعله تلقائياً خبراً كاذباً بالمعنى الجزائي. كما أن إعادة التوصيف القانوني يجب أن تبقى محصورة بالوقائع نفسها التي شملتها الملاحقة، مع ضمان حق الدفاع، ولا يجوز استخدامها لإدخال وقائع جرمية جديدة إلى الدعوى القائمة.

 

وحتى عندما تتوافر عناصر جرم جزائي آخر، يبقى من الضروري التحقق مما إذا كان مشمولاً بقانون العفو العام وفق تاريخ ارتكابه والاستثناءات القانونية.

وبالتالي، لا ينبغي أن يصبح وصف "الخبر الكاذب" مساراً بديلاً لمواصلة الملاحقات الجزائية في قضايا القدح والذم التي أخضعها القانون للمسؤولية المدنية.

 

ماذا عن حق المتضررين في التعويض؟

لا يؤدي إنهاء الملاحقة الجزائية، سواء نتيجة زوال الصفة الجرمية أو بفعل العفو العام، إلى سقوط الحق في المطالبة بالتعويض.

لكن تحديد المرجع القضائي المختص بالنظر في الحقوق المدنية يختلف بحسب الأساس القانوني لانتهاء الملاحقة.

 

فالمادة الرابعة من قانون العفو العام أبقت للمحاكم الجزائية اختصاص النظر في الحقوق الشخصية الناجمة عن الجرائم المشمولة بالعفو، إذا كانت الدعوى العامة قد قُدّمت إليها أو أُحيلت إليها قبل نفاذ قانون العفو.

 

أما بالنسبة إلى الأفعال التي زالت عنها الصفة الجرمية بموجب قانون الإعلام الجديد، فيُرجّح اختصاص القضاء المدني بالنظر في طلبات التعويض، وفقاً للمادتين ١١١ و١١٧.

 

غير أن مسألة المطالبات المدنية التابعة التي كانت قائمة أمام محكمة المطبوعات قبل نفاذ القانون تبقى قابلة للنقاش القانوني، في ضوء الولاية الانتقالية التي نصت عليها المادة ١١٧.

ولا يمكن تطبيق أحكام قانون العفو المتعلقة بالحقوق الشخصية تلقائياً على جميع الأفعال التي زالت عنها الصفة الجرمية، نظراً إلى اختلاف الأساس القانوني بين الحالتين.

والأولوية هنا هي ضمان ألا يؤدي إنهاء الملاحقة الجزائية إلى حرمان المتضررين من مسار قضائي فعّال للمطالبة بالتعويض.

 

من النص إلى التطبيق: ما المطلوب من القضاء؟

إن التحدي اليوم لا يتمثل في إعادة فتح النقاش حول المبدأ الذي أقرّه القانون، بل في إيجاد مقاربة إجرائية واضحة وموحّدة لترجمته في الملفات القائمة، مع مراعاة الآثار القانونية للعفو العام.

وهذا يستدعي، بصورة خاصة، توضيح كيفية التعامل مع الشكاوى العالقة أمام النيابات العامة، وتحديد الآليات الممكنة لتنفيذ الإحالة الإدارية المنصوص عليها في المادة ١١٧، بما يراعي استقلال الدعوى المدنية وشروط مباشرتها، ويحفظ حقوق المتقاضين.

 

كما يقتضي التمييز في كل ملف بين زوال الصفة الجرمية وسقوط الدعوى العامة بالعفو، والتحقق من شروط إعادة التوصيف القانوني، مع ضمان حقوق الدفاع وطرق الطعن وحق المتضررين في المطالبة بالتعويض.

 

وتبرز أيضاً أهمية توضيح الإجراءات المتعلقة بالحقوق المدنية التابعة وطرق الطعن في الأحكام التي تصدر خلال المرحلة الانتقالية، وهي مسائل لم يحسمها القانون الجديد بصورة صريحة في جميع الحالات.

ولا يفترض أن يؤدي غياب تفصيل إجرائي صريح إلى تعليق العمل بالإصلاح. فقانون أصول المحاكمات المدنية يتيح، من خلال المبادئ الواردة في المادتين٤ و٦، معالجة الغموض والنقص الإجرائي وفق القواعد العامة، بما يحقق الغاية من النصوص ويحفظ الحقوق.

 

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تدابير تنظيمية وإدارية واضحة، وتنسيق بين الجهات القضائية المختصة ضمن حدود صلاحياتها، لتسهيل تطبيق القانون من دون المساس باستقلال القضاء أو بصلاحية كل مرجع قضائي في تفسير النصوص والفصل في الدعاوى المعروضة أمامه.

 

الإصلاح الحقيقي يبدأ من الممارسة القضائية

يشكّل قانون الإعلام الجديد فرصة للانتقال من مقاربة تقوم على تجريم التعبير إلى أخرى تقوم على تحديد المسؤولية عن الضرر، مع الاحتفاظ بالتجريم في الحالات التي تستوفي الشروط القانونية المحددة.

لكن فعالية هذا التحول تتوقف على كيفية تعامل القضاء مع الدعاوى القائمة، وعلى قدرته على تجاوز الصعوبات الإجرائية من دون إفراغ الإصلاح من مضمونه.

 

فلا يجوز أن يبقى الصحافي أو الناشر خاضعاً لملاحقة جزائية عن فعل لم يعد القانون يجرّمه، كما لا يجوز أن يُترك المتضرر من دون مسار قضائي فعّال للمطالبة بالتعويض.

 

والتحدي اليوم هو ضمان تطبيق الانتقال من المسؤولية الجزائية إلى المدنية بصورة فعلية ومتسقة، بحيث يتحوّل الإصلاح التشريعي إلى ضمانة ملموسة لحرية التعبير والحق في الإنصاف معًا.

 

للاطلاع على القراءة القانونية التفصيلية للأحكام الانتقالية والإشكاليات التي تطرحها الدعاوى العالقة، يمكن مراجعة الموجز القانوني الصادر عن مؤسسة مهارات وقد أعده الدكتور طوني مخايل. كما يمكنكم تحميل هذه النشرة بنسخة PDF.

تم إعداد هذه النشرة ضمن مشروع "إصلاح الإعلام وتعزيز حرية التعبير في لبنان" بدعم من الاتحاد الأوروبي.