حريّة المواقع الإخبارية في القانون الجديد

حرية المواقع الإخبارية في القانون الجديد: ما الذي تغيّر وما هي حدود التنظيم؟

هل أصبح إنشاء موقع إخباري في لبنان يحتاج إلى ترخيص من الدولة؟ وهل بات على كل مدونة أو بودكاست أو صانع محتوى أن يسجّل نفسه كوسيلة إعلامية؟ وهل يفرض القانون وجود مالك ومدير مسؤول كشخصين منفصلين؟


مع دخول قانون الإعلام الجديد حيّز التنفيذ، برزت مخاوف من أن تؤدي الشروط المفروضة على المواقع الإلكترونية إلى زيادة الأعباء على الإعلام الرقمي، ولا سيما المواقع الصغيرة والمستقلة، أو أن تتحول إجراءات التسجيل والشفافية إلى شكل غير مباشر من أشكال الترخيص.
إلا أن قراءة أحكام القانون تبيّن أن النقاش يحتاج إلى التمييز بين مسألتين مختلفتين: حرية إنشاء الموقع والبدء بالنشر من جهة، والموجبات التي تترتب على الموقع عندما يعمل بصفة مؤسسة إعلامية مهنية من جهة أخرى.


فالقانون يكرّس للمرة الأولى بصورة صريحة أن إنشاء موقع إعلامي إلكتروني لا يحتاج إلى موافقة مسبقة. لكنه، في المقابل، يفرض على المواقع المهنية موجبات تتعلق بتحديد المسؤولية التحريرية، والتسجيل، وشفافية الملكية والتمويل.

 

وهنا يصبح السؤال الأساسي ليس ما إذا كان ينبغي تنظيم المؤسسات الإعلامية الرقمية، بل كيف يمكن ضمان المساءلة والشفافية من دون أن يتحول التنظيم إلى ترخيص مقنّع أو عبء غير متناسب يحدّ من التعددية الإعلامية؟


لا ترخيص مسبق للمواقع الإخبارية
تنص المادة 62 من قانون الإعلام بوضوح على أن "الإعلام الإلكتروني حر" وأن إنشاء المنصات والمواقع الإلكترونية الإعلامية لا يخضع لأي موافقة أو ترخيص مسبق.


ويعني ذلك عملياً أن السلطة العامة لا تملك أن تقرر مسبقاً من يحق له إنشاء موقع إخباري ومن لا يحق له ذلك.
لكن الموقع الذي يعمل بصفة مهنية ومؤسساتية يخضع لموجب الإعلام والتسجيل في السجل الخاص لدى الهيئة الوطنية للإعلام، إضافة إلى موجبات الشفافية المحددة في القانون.


وهذا التمييز بين الترخيص والعلم وخبر او الإعلام أو التسجيل أساسي من منظور المعايير الدولية.
فبحسب خبير السياسات الإعلامية ومدير مركز الصحافة والأبحاث الأوروبي ماريوس دراغومير، يعني الترخيص أن تكون للسلطة صلاحية تقرير ما إذا كان يحق للوسيلة الإعلامية أن تبدأ عملها، في حين يعني التسجيل أو الإعلام تزويد الجهة الناظمة بمعلومات محددة قانوناً من دون انتظار موافقتها على الحق بالنشر.

 


لذلك، ينبغي أن يبقى التسجيل ذا طبيعة تصريحية لا تقريرية: تسجّل الهيئة المعلومات ولا تتحول إلى جهة تقرر من "يستحق" أن يكون وسيلة إعلامية. كما يجب أن تكون البيانات المطلوبة موضوعية ومحددة، والإجراءات بسيطة وغير مكلفة، وألا تستخدم أي معايير سياسية أو تحريرية لقبول الموقع أو رفضه.

وبعبارة أخرى، إذا أصبح بإمكان السلطة استخدام التسجيل لمنع وسيلة من دخول السوق الإعلامية، يكون التسجيل قد تحول عملياً إلى ترخيص، مهما كانت التسمية المستخدمة.


متى يصبح الموقع "موقعاً إعلامياً مهنياً"؟
لا يخضع كل من ينشر محتوى على الإنترنت لموجبات المؤسسات الإعلامية.
فالمادة 61 تعتمد معياراً يرتبط بطبيعة النشاط: الموقع الإعلامي هو الموقع أو التطبيق الرقمي الذي يقدم مواد إعلامية للجمهور بصورة منتظمة، مرتبطة بالمستجدات، وتخضع لرقابة تحريرية.


في المقابل، يميز القانون بين هذه المواقع وبين الاستخدام الفردي للوسائل الإلكترونية للتعبير عن الآراء والأفكار الشخصية، كما في المدونات الشخصية.

وهذا التمييز ينسجم، في جوهره، مع المقاربة الدولية التي تحذر من أن يصبح القانون أداة لتحديد من هو "الصحافي الحقيقي". فالصحافة، وفق المعايير الدولية لحرية التعبير، ليست وظيفة حصرية للعاملين في المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل يمكن أن يمارسها أيضاً مدونون وأفراد وغيرهم ممن ينشرون بصورة مستقلة.


لذلك، فإن المعيار الأهم هو الطابع المؤسساتي للنشاط: الانتظام في النشر، وجود قرارات ورقابة تحريرية، تحمل مسؤولية تحريرية واضحة، والعمل المنظم تجاه جمهور.


أما البودكاست أو صانع المحتوى أو المدونة الشخصية، فلا يتحول تلقائياً إلى مؤسسة إعلامية لمجرد وجود جمهور أو إنتاج محتوى. ويصبح الأمر مختلفاً عندما يتطور النشاط إلى خدمة إعلامية مهنية ومنظمة تتوافر فيها الخصائص التي حددها القانون.


وهنا أيضاً يجب التمييز بين تنظيم المؤسسة الإعلامية وبين تنظيم مهنة الصحافة نفسها. فمسائل الصفة المهنية والاعتماد والحقوق الاجتماعية والاقتصادية للصحافيين تحتاج إلى نقاش وتشريع مهني مستقل، ولا ينبغي استخدام قانون المؤسسات الإعلامية لمنح الدولة سلطة تحديد من يحق له ممارسة الصحافة أو التعبير.


هل يجب أن يكون المالك والمدير المسؤول شخصين مختلفين؟
يتيح القانون لأي شخص طبيعي أو معنوي يستوفي شروطه أن يمتلك وسيلة إعلامية، ولا يفرض على المواقع الإلكترونية الشكل التجاري الخاص المفروض على المؤسسات التلفزيونية والإذاعية.

كما لا تنص المادة 63 على وجوب أن يكون مالك الموقع والمدير المسؤول شخصين مختلفين.

 

ويشرح النائب السابق غسان مخيبر، الذي شارك في صياغة القانون ومساره التشريعي، أن تحديد اسم المالك إلى جانب اسم المدير المسؤول لا يعني حكماً الفصل بين الشخصين. ويمكن، وفق هذه القراءة، أن يكون المالك نفسه المدير المسؤول متى استوفى الشروط القانونية المطلوبة لهذه المهمة، وإلا فعليه تعيين شخص آخر يستوفيها.


أما وجود مدير مسؤول بحد ذاته، فليس مستحدثاً في التشريع الإعلامي اللبناني، بل يعود إلى قانون المطبوعات لعام 1962.
والهدف منه، بحسب مخيبر، ليس إنشاء طبقة إدارية إضافية داخل المؤسسة، بل تحديد شخص يتحمل فعلياً وقانونياً مسؤولية الإشراف التحريري ويمكن للجمهور أو القضاء أو الهيئة التواصل معه ومساءلته، بما في ذلك في مسائل الرد والتصحيح والتبليغات الرسمية.


ويتقاطع ذلك مع المعايير الدولية التي تعتبر أن مطالبة مؤسسة إعلامية مهنية بتحديد الجهة أو الشخص الذي يتحمل المسؤولية التحريرية يمكن أن تكون مشروعة.


غير أن تحديد المسؤولية شيء وتحويل منصب المدير المسؤول إلى عائق أمام تأسيس وسيلة إعلامية شيء آخر.
ولهذا، يجب أن تكون الشروط المفروضة على المدير مرتبطة فعلاً بهدف ضمان المسؤولية وقابلة للتبرير بصورة متناسبة. ويشير مخيبر في هذا الإطار إلى أن اشتراط الإشراف الفعلي والتفرغ وعدم تولي المسؤولية عن أكثر من موقع يرتبط أيضاً بتجربة سابقة في لبنان عرفت ما يمكن وصفه بـ"تأجير التوقيع"، حيث كان الشخص نفسه يدرج مديراً مسؤولاً لوسائل متعددة من دون ممارسة إشراف تحريري حقيقي عليها.

 

لكن تطبيق هذه الشروط يبقى بحاجة إلى مراعاة واقع الإعلام الرقمي، بحيث تحقق المسؤولية الفعلية من دون أن تصبح كلفتها أو طريقة تطبيقها حاجزاً غير مباشر أمام المواقع الصغيرة أو المبادرات الإعلامية الجديدة.


لماذا يطلب القانون معرفة المالك ومصادر التمويل؟
لا تشكل شفافية الملكية والتمويل التزاماً خاصاً بالمواقع الإلكترونية وحدها.
فالقانون ينشئ سجلات تشمل مختلف وسائل الإعلام المنظمة، وتتضمن معلومات عن المالكين، والأشخاص المسؤولين عن الإدارة، وهيكل الملكية والمستفيدين الاقتصاديين، إضافة إلى المداخيل ومصادر التمويل.


أما بالنسبة إلى الموقع الإلكتروني، فتضاف إلى ذلك ضرورة إظهار معلومات أساسية بصورة واضحة على الموقع نفسه، ومنها اسم المالك وشكله القانوني ورقم تسجيل الوسيلة الإعلامية واسم المدير المسؤول ومعلومات التواصل الرسمية.


وتنطلق هذه الموجبات من مبدأ بسيط: للجمهور الحق في معرفة من يقف وراء الوسيلة التي يحصل منها على الأخبار والمعلومات.
ويشير دراغومير إلى أن شفافية الملكية أصبحت جزءاً أساسياً من التنظيم الإعلامي الحديث، بما في ذلك في المعايير الأوروبية، لأنها تتيح للجمهور معرفة ما إذا كانت الوسيلة التي يتابعها خاضعة لسيطرة مباشرة أو غير مباشرة من سياسي أو شركة كبرى أو جهة حكومية أو أي مصلحة نافذة أخرى.

 


ولا تتعلق الشفافية هنا بالتدخل في الخط التحريري، بل بتمكين المواطن من تقييم السياق الذي تنتج فيه المعلومات التي يتلقاها.
لكن هذه الشفافية يجب بدورها أن تبقى متناسبة، وأن تركز على المعلومات التي تكشف فعلياً الملكية والسيطرة ومصادر النفوذ الأساسية، لا أن تتحول إلى نظام تقارير مفتوح وغير محدود أو إلى وسيلة تمس بسرية المصادر الصحافية.


الغرامات: حين يكون المبلغ نفسه مختلفاً في أثره
تبقى مسألة العقوبات من أكثر النقاط التي تستحق الانتباه عند تطبيق القانون على الإعلام الرقمي.
فالمادة 64 تفرض على مخالفة الأحكام المتعلقة بالإعلام الإلكتروني غرامة تتراوح بين عشرين ومئة ضعف الحد الأدنى الرسمي للأجور.
وفي الوقت نفسه، ينص القانون في أحكام الهيئة الوطنية للإعلام على تدرج في التدابير يبدأ بالاستيضاح، ثم التنبيه والإنذار والتقارير، وصولاً إلى الإحالة إلى القضاء. كما أن قرارات الهيئة قابلة للمراجعة القضائية.

 

ويرى مخيبر أن هذه الآليات توفر ضمانات للتناسب، وأن وجود حد أدنى وحد أقصى للغرامة يسمح للقاضي بمراعاة طبيعة المخالفة وجسامتها.
إلا أن القانون لا ينشئ نظاماً خاصاً أخف للمؤسسات الصغيرة، وهنا تبرز إحدى أهم المسائل التي سيكشفها التطبيق.


فبحسب دراغومير، التناسب لا يقاس بنص العقوبة وحده، بل بأثرها الفعلي على المؤسسة. فغرامة يمكن أن تكون محدودة الأثر على شبكة تلفزيونية كبرى قد تهدد استمرار موقع مستقل يعمل بثلاثة أشخاص.


ولهذا، ينبغي أن تراعي الإجراءات والعقوبات حجم المؤسسة ومواردها، وجسامة المخالفة، وما إذا كانت متعمدة أو متكررة، وأن تعطى الوسيلة، عندما تكون المخالفة قابلة للتصحيح، فرصة لمعالجتها قبل الانتقال إلى عقوبات مالية كبيرة.

 

فالمبدأ نفسه في الشفافية والمساءلة يمكن أن ينطبق على مؤسسة إعلامية كبيرة وموقع محلي صغير، لكن ذلك لا يعني أن العبء الإداري أو أثر العقوبة يجب أن يكون متطابقاً بينهما.
وهذا ليس امتيازاً تمنحه الدولة للمؤسسات الصغيرة، بل جزء من حماية التعددية الإعلامية نفسها.


بين الحرية والمساءلة: أين يجب أن يكون التوازن؟
ينقل قانون الإعلام الجديد المواقع الإخبارية المهنية إلى إطار تنظيمي أوضح، لكنه لا يجعل الحق في إنشاء موقع إخباري مشروطاً بإذن مسبق من الدولة.
وهذه نقطة أساسية يجب الحفاظ عليها في تطبيق القانون.


في المقابل، فإن حرية إنشاء الوسيلة لا تعني أن تعمل المؤسسة الإعلامية المهنية من دون أي مسؤولية تجاه جمهورها. فتحديد المسؤولية التحريرية، وإتاحة حق الرد والتصحيح، والكشف عن الملكية ومصادر التمويل الرئيسية، كلها أهداف يمكن تبريرها بالمصلحة العامة.

 

المشكلة تبدأ عندما تتجاوز الوسائل المستخدمة لتحقيق هذه الأهداف ما هو ضروري، أو عندما تصبح الإجراءات الإدارية أو شروط المسؤولية أو الغرامات ثقيلة إلى درجة تمنع فعلياً وسائل صغيرة ومستقلة من الدخول إلى السوق أو الاستمرار فيه.


لذلك، فإن الاختبار الحقيقي للقانون لن يكون فقط في نص المادة 62 التي تحظر الترخيص المسبق، بل في طريقة تطبيق المواد التي تليها.
فالتسجيل يجب أن يبقى تسجيلاً لا بوابة للموافقة على المؤسسات، والشفافية يجب أن تكشف النفوذ الحقيقي لا أن تنتج بيروقراطية مرهقة، والمدير المسؤول يجب أن يضمن المساءلة لا أن يصبح شرطاً لإقصاء المبادرات الإعلامية الجديدة، والعقوبة يجب أن تصحح المخالفة لا أن تقضي على الوسيلة التي يراد تنظيمها.


حرية تأسيس المواقع الإخبارية لا تعني غياب المساءلة. لكن المساءلة، بدورها، لا يجوز أن تتحول إلى ترخيص مقنّع أو إلى عبء غير متناسب يضعف التعددية التي يفترض بالقانون نفسه أن يحميها.

 

لتحميل التقرير بنسخة PDF، اضغط هنا.

 

تم إعداد هذه النشرة ضمن مشروع "إصلاح الإعلام وتعزيز حرية التعبير في لبنان" بدعم من الاتحاد الأوروبي.