من إقرار قانون الإعلام إلى ضمان تطبيقه: أولويات قضائية وتنظيمية لحماية حرية التعبير
أولًا: لماذا هذه الورقة؟
يشكّل دخول قانون الإعلام الجديد رقم 69/2026 حيّز التنفيذ محطة أساسية في مسار إصلاح التشريعات المتعلقة بالإعلام وحرية التعبير في لبنان، بعد سنوات من العمل التشريعي والنقاش بين المؤسسات الرسمية والجهات القضائية والهيئات المهنية ومنظمات المجتمع المدني.
وتبرز أهمية القانون في إحداث تحوّل في المقاربة القانونية للمسؤولية الناشئة عن النشر والتعبير، من خلال الانتقال من المسؤولية الجزائية إلى المسؤولية المدنية في قضايا القدح والذم التي يشملها القانون، وتوسيع نطاق الحماية القانونية لحرية التعبير عبر مختلف وسائل النشر، مع الإبقاء على المسؤولية الجزائية عن أفعال محددة وفق شروط قانونية.
غير أن دخول القانون حيّز التنفيذ كشف عن تحديات تتصل بتفسير بعض أحكامه وتطبيقها، ولا سيما في ما يتعلق بنطاق الحماية التي يوفرها، والتمييز بين المسؤولية المدنية والجزائية، وتفسير الجرائم المرتبطة بنشر الأخبار الكاذبة، ومصير الدعاوى والملاحقات العالقة، والإجراءات القضائية والتنظيمية اللازمة لتفعيل أحكامه.
وفي ظل استمرار الاستدعاءات والملاحقات على خلفية قضايا النشر والتعبير، تبرز الحاجة إلى ضمان انعكاس الإصلاح التشريعي على الممارسة القضائية، بحيث لا تستمر ملاحقات جزائية عن أفعال لم تعد مجرّمة، ولا تؤدي الاختلافات في تفسير الأحكام الجديدة إلى إفراغ الإصلاح من مضمونه.
وانطلاقاً من دورها في مواكبة مسار إصلاح قانون الإعلام، ومن القراءة القانونية التي نشرتها حول أثر القانون الجديد وقانون العفو العام رقم 70/2026 على الدعاوى العالقة، تسعى مؤسسة مهارات من خلال هذه الورقة إلى بلورة أولويات عملية لضمان تطبيق القانون بصورة متسقة، تحمي حرية التعبير وتصون حقوق المتقاضين.
ثانيًا: سياق الورقة – من النقاش القانوني إلى أولويات التطبيق
وكانت قد عُقدت في 20 تشرين الأول 2026، في وزارة الإعلام، جلسة نقاش متعددة الأطراف تناولت الإشكاليات القانونية والقضائية المرتبطة بتطبيق قانون الإعلام الجديد، بمشاركة وزير الإعلام الدكتور بول مرقص، ووزير العدل عادل نصّار، والمدعي العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج، وممثلين عن مجلس القضاء الأعلى، وقضاة ومحامين وخبراء قانونيين لاسيما النائب السابق الاستاذ غسان مخيبر ومؤسسة مهارات.
وقد أظهرت المداخلات وجود تقاطع حول أهمية وضع القانون موضع التنفيذ، إلى جانب تباينات في تفسير بعض أحكامه وفي تحديد الإجراءات الواجب اعتمادها.
وتركّز النقاش بصورة خاصة على أربعة محاور:
• نطاق تطبيق القانون والتمييز بين الإعلام المهني وممارسة حرية التعبير من قبل عموم الأفراد.
• الانتقال من المسؤولية الجزائية إلى المسؤولية المدنية، وحدود التجريم المتبقي، ولا سيما في ما يتعلق باختلاق الأضاليل ونشر الأخبار الكاذبة.
• مصير الدعاوى والملاحقات العالقة أمام النيابات العامة وقضاة التحقيق ومحكمة المطبوعات وسائر المحاكم، في ضوء الأحكام الانتقالية وقانون العفو العام.
• التدابير القضائية والإدارية اللازمة لتطبيق القانون، وتشكيل الهيئة الوطنية للإعلام وتفعيل دورها.
وقد برز خلال النقاش اتجاه يؤكد ضرورة تفسير القانون في ضوء الغاية الإصلاحية التي أُقرّ من أجلها، واحترام خيار المشرّع في توسيع حماية حرية التعبير والحد من التجريم. وفي المقابل، طُرحت قراءات تدعو إلى التمييز بصورة أوسع بين الإعلام المهني وغير المهني.
وترى مؤسسة مهارات أن هذه الاختلافات في التفسير اضافة الى استمرار الاستدعاءات والملاحقات الجزائية في قضايا النشر والتعبير، تستدعي معالجة قانونية ومؤسساتية بنّاءة، لا من خلال إعادة النظر في المبادئ الإصلاحية التي أقرّها القانون، بل عبر توضيح آليات تطبيقه وتطوير فهم مشترك لأحكامه، مع احترام استقلال القضاء وصلاحية المحاكم في الفصل في النزاعات المعروضة عليها.
وعليه، تهدف هذه الورقة إلى استخلاص توصيات سياساتية تستند إلى الغاية الإصلاحية للقانون وإلى المبادئ الدستورية والمعايير الدولية لحرية التعبير، وذلك مع استمرار.
ثالثًا: المبادئ الأساسية التي ينبغي أن تحكم تطبيق القانون
1. حرية التعبير حق للجميع وليست امتيازاً مهنياً للصحافيين
تؤكد مؤسسة مهارات أن حماية حرية الرأي والتعبير لا ترتبط بالصفة المهنية للشخص الذي يمارسها، بل هي حق أساسي يتمتع به جميع الأفراد، وفقاً للدستور اللبناني والمادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
ومن هذا المنطلق، فإن توسيع نطاق قانون الإعلام ليشمل مختلف وسائل النشر والتعبير، بما فيها الوسائل الرقمية وغير المهنية، يشكّل خياراً تشريعياً ينسجم مع تطور البيئة الإعلامية والرقمية، ولا ينبغي التعامل معه باعتباره ثغرة تستوجب تقييد الحماية القانونية.
ولا يعني ذلك إلغاء التمييز بين الإعلام المهني وغير المهني، إذ يقرّ القانون ضمانات والتزامات خاصة بالإعلاميين المهنيين، ومنها حماية المصادر. إلا أن هذه الخصوصية المهنية لا يجوز أن تتحوّل إلى أساس لحرمان سائر الأفراد من الحماية القانونية لحرية التعبير.
كما أن الضوابط المهنية والأخلاقية التي تحكم العمل الصحافي تختلف في طبيعتها عن القيود الجزائية المفروضة على ممارسة حرية التعبير، ولا يجوز الخلط بينهما.
الموقف السياساتي: يجب أن يستند تطبيق الأحكام المتعلقة بحرية التعبير والمسؤولية عن النشر إلى طبيعة الفعل والوسيلة والأحكام القانونية المنطبقة عليه، لا إلى اشتراط الصفة المهنية للتمتع بالحماية الأساسية.
2. الانتقال إلى المسؤولية المدنية خيار تشريعي يجب احترامه
إن إخضاع القدح والذم، ضمن نطاق قانون الإعلام، للمسؤولية المدنية ليس مجرد تعديل في الاختصاص القضائي، بل هو تحوّل في طبيعة المسؤولية القانونية عن النشر.
ويقتضي هذا التحوّل التمييز بين الأفعال التي لم تعد تستوجب الملاحقة الجزائية، والأفعال التي أبقى القانون على تجريمها، وعدم العودة إلى تطبيق أحكام جزائية أُلغي العمل بها أو استُبعد تطبيقها في الحالات المشمولة بالقانون الجديد.
كما أن اختلاف النظام القانوني لبعض الأفعال بحسب وسيلة ارتكابها لا يشكّل بحد ذاته تناقضاً يستوجب إعادة التجريم، بل ينبغي فهمه في ضوء نطاق النصوص الخاصة وعلاقتها بالقواعد العامة.
الموقف السياساتي: لا يجوز معالجة الإشكاليات الناشئة عن تطبيق القانون عبر إعادة إحياء المسؤولية الجزائية في قضايا أراد المشرّع إخضاعها للمسؤولية المدنية. وتقتضي الأولوية احترام هذا التحوّل وضمان تطبيقه بصورة متسقة على جميع الأشخاص المشمولين بأحكام القانون.
3. تفسير الجرائم المتبقية تفسيراً ضيقاً يحمي حرية التعبير
تثير المادة 104، ولا سيما الفقرة «ب» المتعلقة بتعمّد اختلاق الأضاليل ونشر الأخبار الكاذبة والمؤذية، إشكالية تتصل بالحد الفاصل بين الأفعال التي تستوجب المسؤولية الجزائية وتلك التي تندرج ضمن المسؤولية المدنية.
وقد أظهر النقاش القانوني وجود اتجاهين في تفسير هذه الفقرة: اتجاه يربط التجريم بالأخبار المختلقة التي تمس المصلحة العامة أو تتسبب بحالة من الذعر أو الهلع العام، واتجاه آخر يتوسع في المفهوم ليشمل اتهامات تتعلق بأشخاص محددين، إذا اعتُبرت ذات طابع موضوعي وغير مثبتة.
وتتبنى مؤسسة مهارات مقاربة التفسير الضيق للنص الجزائي، بما ينسجم مع مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، ويحول دون استخدام أحكام الأخبار الكاذبة لإعادة تجريم القدح والذم بصورة غير مباشرة.
ويقتضي ذلك التمييز بين الخبر المختلق عمداً الذي يستوفي عناصر الجريمة، وبين الخطأ الصحافي أو المعلومات غير الدقيقة أو الادعاءات المتعلقة بأشخاص محددين، والتي لا تتحول تلقائياً إلى جرائم جزائية لمجرد عدم إثبات صحتها.
ولا يكفي أن يكون المنشور مسيئاً إلى سمعة شخص أو متضمناً اتهاماً غير مثبت لإخضاعه حكماً لأحكام اختلاق الأضاليل، من دون التحقق من جميع العناصر القانونية المطلوبة.
الموقف السياساتي: ينبغي تفسير المادة 104 في ضوء غاية القانون في حماية حرية التعبير والحد من التجريم، واعتماد القراءة الأضيق التي تحول دون التداخل غير المبرر بين المسؤولية المدنية والجزائية، مع التحقق من عناصر القصد والضرر وطبيعة الفعل وفق النص القانوني.
4. إنهاء الملاحقات التي زال أساسها الجزائي وضمان حقوق المتضررين
يشكّل مصير الدعاوى العالقة أحد أبرز الاختبارات العملية لقانون الإعلام الجديد، ولا سيما مع تزامن تطبيقه مع قانون العفو العام.
وتؤكد مؤسسة مهارات ضرورة التمييز بين ثلاث حالات قانونية:
◉ الحالة الأولى: الأفعال التي زالت عنها الصفة الجرمية. يقتضي إنهاء الملاحقات الجزائية بشأنها وفق المرحلة التي بلغتها الدعوى، عملاً بمبدأ القانون الجزائي الأصلح، مع الحفاظ على حق المتضرر في المطالبة بالتعويض.
◉ الحالة الثانية: الأفعال التي بقيت مجرّمة لكنها مشمولة بالعفو العام. يقتضي تطبيق الأحكام المتعلقة بسقوط الدعوى العامة، مع مراعاة الأحكام الخاصة بالحقوق الشخصية.
◉ الحالة الثالثة: الأفعال التي بقيت مجرّمة ولا يشملها العفو العام. تستمر الملاحقة الجزائية بشأنها عند توافر جميع الشروط القانونية، مع احترام الضمانات الإجرائية.
وفي ما يتعلق بالمادة 117، فإن الإحالة الإدارية للشكاوى العالقة أمام النيابات العامة تطرح إشكاليات عملية تستدعي توضيح آليات تنفيذها، مع احترام استقلال الدعوى المدنية وشروط مباشرتها.
وترى مهارات أن إعطاء الإحالة الإدارية مفعولاً عملياً، حيث تكون ممكنة قانوناً وإجرائياً، يجب أن يترافق مع ضمان عدم استمرار أي ملاحقة جزائية لمجرد تعذّر الإحالة أو غموض إجراءاتها.
أما الدعاوى العالقة أمام محكمة المطبوعات، فينبغي معالجة وضعها وفق الأحكام الانتقالية، بما يسمح باستمرار النظر في الملفات القائمة ضمن الولاية الانتقالية المحددة، مع تطبيق القانون الجديد وأحكام العفو العام عند الاقتضاء، ومن دون استقبال دعاوى جديدة.
الموقف السياساتي: لا يجوز أن تؤدي الصعوبات الإجرائية إلى تعطيل مفاعيل إلغاء التجريم أو إلى حرمان المتضررين من سبل الانتصاف المدني. والمطلوب تطوير آليات تطبيق واضحة تحترم طبيعة كل دعوى والمرحلة القضائية التي بلغتها.
5. أولوية تفعيل المؤسسات والآليات التي نص عليها القانون
إن التطبيق الفعّال لقانون الإعلام لا يقتصر على معالجة الدعاوى القضائية، بل يستوجب استكمال الإجراءات المؤسسية والتنظيمية التي نص عليها، وفي مقدمتها تشكيل الهيئة الوطنية للإعلام.
وترى مؤسسة مهارات أن الهيئة الوطنية للإعلام تشكّل إحدى ركائز الإطار التنظيمي الجديد، وأن دورها ينبغي أن يُفهم في إطار حماية المصلحة العامة والتعددية الإعلامية واستقلال التنظيم، لا باعتبارها هيئة تمثيل مهني حصري للصحافيين أو المؤسسات الإعلامية.
ومن الضروري الإسراع في تشكيل الهيئة وفق الآليات القانونية المعتمدة، وضمان استقلاليتها وتعددية الخبرات داخلها، وتمكينها من ممارسة صلاحياتها بصورة شفافة وفعّالة.
كما تبرز الحاجة إلى مواكبة تطبيق القانون من خلال التنسيق بين المؤسسات المعنية، وتعزيز معرفة القضاة والمحامين والإعلاميين بأحكامه، ورصد الإشكاليات العملية التي قد تستدعي توضيحات أو تعديلات تشريعية لاحقة.
رابعًا: التوصيات السياساتية
المحور الأول: على مستوى القضاء والنيابات العامة
الجهات المعنية: مجلس القضاء الأعلى، النيابة العامة التمييزية، المحاكم المختصة، ووزارة العدل ضمن صلاحياتها.
1. تطوير إرشادات قضائية تطبيقية بشأن قانون الإعلام الجديد، بالتنسيق بين الجهات القضائية المختصة وضمن حدود صلاحياتها، لتوضيح الأحكام المتعلقة بالانتقال من المسؤولية الجزائية إلى المدنية، مع احترام استقلال القضاة في تفسير النصوص والفصل في الدعاوى.
2. إعادة تقييم الشكاوى والملاحقات العالقة في ضوء القانون الجديد وقانون العفو العام، والتمييز بين الأفعال التي زالت عنها الصفة الجرمية وتلك التي بقيت مجرّمة لكنها مشمولة بالعفو، والأفعال التي تستمر الملاحقة بشأنها.
3. ضمان وقف الملاحقات الجزائية عن الأفعال التي لم تعد مجرّمة، وعدم الاستمرار في الاستدعاءات والتحقيقات الجزائية على أساس نصوص لم تعد منطبقة على الوقائع موضوع الشكوى.
4. اعتماد تفسير ضيق للمادة 104، الفقرة «ب»، يراعي مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، ويميّز بين الأخبار المختلقة عمداً التي تستوفي عناصر التجريم وبين الأفعال التي تندرج ضمن المسؤولية المدنية، ويحول دون إعادة توصيف دعاوى القدح والذم بصورة توسعية.
5. توضيح آليات تطبيق المادة 117، ولا سيما الإجراءات المتعلقة بالشكاوى العالقة أمام النيابات العامة، وإمكانية الإحالة الإدارية إلى القضاء المدني، والبدائل الإجرائية المتاحة عندما تتعذر هذه الإحالة قانوناً.
6. توضيح آليات متابعة الدعاوى القائمة أمام محكمة المطبوعات في المرحلة الانتقالية، بما يشمل الاختصاص وطرق الطعن والحقوق المدنية التابعة، ومنع حدوث فراغ إجرائي يؤدي إلى تأخير البت في الملفات.
7. تفعيل الغرف المدنية المختصة بقضايا الرأي والإعلام وفق المادة 111، وتأمين المتطلبات القضائية والإدارية اللازمة لعملها، بما يتيح للمتضررين سلوك مسار مدني فعّال للمطالبة بالتعويض.
8. تنظيم برامج متخصصة للقضاة وأعضاء النيابات العامة حول الأحكام الجديدة ومبادئ حرية التعبير والمعايير الدولية ذات الصلة، بالتعاون مع المؤسسات القضائية المختصة.
المحور الثاني: على مستوى السلطة التنفيذية والتنسيق المؤسساتي
الجهات المعنية: وزارتا الإعلام والعدل، بالتعاون مع مجلس القضاء الأعلى والجهات المعنية.
1. إرساء آلية تنسيق مؤسساتية لمواكبة تطبيق قانون الإعلام الجديد، تجمع الجهات المعنية بالتطبيق وممثلين عن الهيئات المهنية والخبراء ومنظمات المجتمع المدني، بهدف تحديد الإشكاليات العملية واقتراح حلول ضمن الأطر القانونية.
2. إعداد دليل تطبيقي مبسّط لأحكام القانون، يوضح نطاق الحماية القانونية، والمسؤولية المدنية والجزائية، والاختصاص القضائي، وآليات التقاضي، والضمانات المتاحة للصحافيين وسائر الأفراد.
3. الفصل بين أولوية تطبيق القانون النافذ والنقاش حول تعديله، بحيث لا تؤدي المقترحات التشريعية الجديدة إلى تأخير تنفيذ الإصلاحات أو تعليق العمل بالأحكام التي دخلت حيّز التنفيذ.
المحور الثالث: تشكيل الهيئة الوطنية للإعلام وتفعيل دورها
الجهات المعنية: مجلس القضاء الأعلى، الجهات المخوّلة بالتسمية والاختيار، ووزارة الإعلام ضمن صلاحياتها.
1. الإسراع في استكمال الإجراءات القانونية لتشكيل الهيئة الوطنية للإعلام، وتفعيل التنسيق بين الجهات المعنية بالتسمية والاختيار وفق المادة 74.
2. ضمان استقلالية الهيئة وتعدديتها، من خلال احترام آليات التشكيل القانونية، واعتماد معايير الكفاءة والخبرة والاستقلالية والشفافية في اختيار أعضائها.
المحور الرابع: على مستوى الهيئات المهنية والمحامين والمؤسسات الإعلامية
الجهات المعنية: نقابتا المحامين، الهيئات والنقابات الإعلامية، المؤسسات الإعلامية، والجهات التدريبية.
1. تنظيم برامج توعية قانونية متخصصة للمحامين حول الأحكام الجديدة، بما يشمل الانتقال إلى المسؤولية المدنية، والاختصاص القضائي، ومصير الدعاوى العالقة، وحقوق المتقاضين.
2. تعزيز معرفة الصحافيين والعاملين في الإعلام بالقانون الجديد، ولا سيما الضمانات القانونية وحقوقهم وواجباتهم، والتمييز بين المسؤولية المهنية والأخلاقية والمسؤولية القانونية.
3. تطوير آليات التنظيم الذاتي والمساءلة المهنية داخل المؤسسات الإعلامية، بما يعزز التحقق من المعلومات وتصحيح الأخطاء وحق الرد، ويسهم في الحد من النزاعات من دون اللجوء غير الضروري إلى القضاء.
4. توسيع التوعية لتشمل صانعي المحتوى والمستخدمين والناشرين غير المهنيين، انطلاقاً من أن حرية التعبير والحماية القانونية المرتبطة بها لا تقتصران على الصحافيين المحترفين.
5. تعزيز الحوار بين الهيئات المهنية والمؤسسات القضائية بشأن التطبيق العملي للقانون، على أساس احترام خيارات المشرّع والبحث عن حلول للإشكاليات الإجرائية والتنظيمية.
المحور الخامس: على مستوى المتابعة التشريعية والسياسات الإعلامية
الجهات المعنية: مجلس النواب، وزارة الإعلام، الهيئة الوطنية للإعلام بعد تشكيلها، ومنظمات المجتمع المدني.
1. إعطاء الأولوية لتطبيق القانون وتقييم مفاعيله العملية قبل المبادرة إلى تعديلات تشريعية واسعة، مع عدم استبعاد معالجة الثغرات التي يتعذر تجاوزها بالتفسير أو الإجراءات التنظيمية.
2. إخضاع أي تعديل تشريعي لاحق لتقييم أثره على حرية التعبير، والتأكد من عدم إعادة إدخال عقوبات جزائية أو قيود تتعارض مع الغاية الإصلاحية للقانون.
3. معالجة الغموض في الأحكام المتعلقة بالأخبار الكاذبة، عند الحاجة إلى تدخل تشريعي.
4. إعادة إدراج إصلاح الإعلام العام ضمن أولويات السياسات الإعلامية، بما يضمن استقلاليته وتمويله واستدامته وقدرته على أداء دوره في خدمة المصلحة العامة والتعددية.
5. إجراء تقييم دوري لتطبيق القانون، يستند إلى مؤشرات قابلة للقياس، منها عدد الملاحقات المتعلقة بالنشر، ومآل الدعاوى العالقة، ومدى تفعيل المسار المدني، وتشكيل الهيئة الوطنية للإعلام، والتدابير التنظيمية المنجزة.
خامسًا: نحو آلية متابعة مشتركة لضمان حسن التطبيق
ترى مؤسسة مهارات أن نجاح قانون الإعلام الجديد يتطلب الانتقال من النقاش حول النصوص إلى متابعة تنفيذها على أرض الواقع، من خلال تعاون مؤسساتي يحترم استقلال القضاء، ويتيح معالجة الصعوبات بصورة عملية ومنهجية.
وفي هذا الإطار، تقترح مهارات اعتماد مسار متابعة يقوم على ثلاث أولويات مترابطة:
◉ الأولوية الفورية: معالجة الإشكاليات القضائية الملحّة. وتشمل توضيح مصير الملاحقات والدعاوى العالقة، وتفعيل الأحكام المتعلقة بإلغاء التجريم، وضمان عدم استخدام نصوص جزائية أخرى للالتفاف على الإصلاح، واستكمال الإجراءات اللازمة لتفعيل الغرف المدنية المختصة.
◉ الأولوية المؤسسية: استكمال آليات تنفيذ القانون. وتشمل تشكيل الهيئة الوطنية للإعلام، وتنظيم برامج بناء القدرات للقضاة والمحامين والإعلاميين، وتطوير الأدلة التطبيقية وآليات التنسيق بين الجهات المعنية.
◉ الأولوية المتوسطة المدى: تقييم التطبيق وتطوير السياسات. وتشمل رصد الممارسة القضائية والإدارية، وتحديد الثغرات التي تستوجب المعالجة، ومناقشة أي تعديلات تشريعية مستقبلية في ضوء الأدلة العملية والمعايير الدستورية والدولية.
وتؤكد مؤسسة مهارات أن الاختبار الحقيقي لقانون الإعلام الجديد لا يكمن في مجرد دخوله حيّز التنفيذ، بل في قدرة المؤسسات المعنية على ترجمة إصلاحاته إلى ممارسات قضائية وإدارية واضحة تحمي حرية التعبير وتضمن حقوق المتضررين.
ومن هذا المنطلق، تدعو مهارات جميع الجهات المعنية إلى اعتماد مقاربة تشاركية وبنّاءة لتطبيق القانون، تنطلق من احترام خياراته الإصلاحية، وتعمل على معالجة الغموض الإجرائي من دون المساس بالمكتسبات التي حققها في مجال الحريات العامة.
فالهدف ليس فقط ضمان حسن تطبيق قانون جديد، بل ترسيخ مقاربة قانونية ومؤسساتية تعتبر حرية التعبير هي الأصل، وتتعامل مع القيود الجزائية بوصفها استثناءً محدداً بالقانون، وتضمن في الوقت نفسه سبل العدالة والمساءلة المدنية الفعّالة.
تم إعداد هذه الورقة ضمن مشروع "إصلاح الإعلام وتعزيز حرية التعبير في لبنان" بدعم من الاتحاد الأوروبي.

