حوكمة الإعلام في زمن الأزمات: بين مسؤولية المؤسسات الإعلامية وغياب الهيئة الناظمة
في خضمّ الأزمات والحروب، لا يعود الإعلام مجرّد ناقلٍ للأحداث، بل يتحوّل إلى لاعبٍ أساسي في تشكيل الرأي العام، قد يساهم في التهدئة كما في التأجيج. هذا الدور برز بوضوح في لبنان خلال التغطيات الإعلامية للحروب الأخيرة، والتي دفعت وزير الإعلام بول مرقص مؤخرًا إلى عقد اجتماعات مع المؤسسات الإعلامية بهدف وضع توصيات لضبط الخطاب والحدّ من الانزلاق نحو التحريض والكراهية. غير أن هذه المبادرات تطرح إشكالية أعمق تتعلّق بحوكمة الإعلام: من يرصد أداء وسائل الإعلام ويحاسبها؟
نظريًا، يُناط هذا الدور بالنسبة للإعلام المرئي والمسموع بالمجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع، إلا أن صلاحياته الاستشارية المحدودة، إلى جانب انتهاء ولايته وتراجع فاعليته، تجعل حضوره شبه غائب في لحظة مفصلية. وفي موازاة ذلك، لا تزال الهيئة الوطنية للإعلام، التي يفترض أن ينشئها قانون إعلام جديد بصيغة أكثر استقلالية وفعالية، غائبة نتيجة عدم إقرار هذا القانون. وبين توصيات غير ملزمة، وهيئات معطّلة أو غير موجودة، يتكشّف فراغ تنظيمي ينعكس مباشرة على أداء الإعلام، الذي بدا في كثير من الأحيان متفلّتًا من الضوابط، في ظلّ غياب المرجعية القادرة على توجيهه أو مساءلته.
مبادرات للعودة إلى المعايير المهنية
لم تكن التغطيات الإعلامية في لبنان خلال الأزمات، وصولًا إلى الحروب الأخيرة، بعيدة عن الاصطفافات السياسية والطائفية. فغالبًا ما تعكس المؤسسات الإعلامية مواقف الجهات التي تموّلها أو تدعمها، ما يؤدي إلى خطاب إعلامي منحاز، يفتقر أحيانًا إلى المعايير المهنية، ويُسهم في تعميق الانقسامات بدل الحدّ منها. وقد ازدادت حدّة هذه الظاهرة مع صعود الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث تتفلت الخطابات من أي ضوابط، وتنتشر الأخبار المضلّلة وخطابات الكراهية بسرعة قياسية، في ظلّ غياب آليات محاسبة فعّالة.
أمام هذا الواقع، حاولت وزارة الإعلام التدخّل ضمن حدود صلاحياتها. فقد عقد وزير الإعلام الحالي بول مرقص اجتماعات مع وسائل الإعلام لوضع توصيات عامة تدعو إلى اعتماد خطاب مهني مسؤول، يحدّ من التحريض والكراهية. كما عملت الوزارة، بالتعاون مع منظمات مثل "مهارات" و"اليونسكو"، على الدفع بمشروع قانون إعلام جديد يتضمن بنودًا لتنظيم الإعلام الإلكتروني ومكافحة خطاب الكراهية.
كما يوضح الوزير بول مرقص في حديث لـ"مهارات"، أن وزارة الإعلام لا تملك سلطة التحقيق أو الملاحقة أو الادعاء أو المحاكمة والعقاب، كما تفتقر إلى جهاز تنفيذي أو ما يُشبه "شرطة إعلامية"، وإنما يقتصر دورها على العمل مع وسائل الإعلام ضمن إطار من الشراكة والتفاعل والتواصل. وفي موازاة ذلك، يُترك جانب الملاحقة للقضاء، ولا سيما النيابة العامة التي تتحرك تلقائيًا أو بناءً على شكاوى، أو بتوجيه من وزير العدل، لملاحقة المحرّضين على وسائل التواصل الاجتماعي في الحالات التي تتجاوز حرية التعبير إلى مستوى الشتائم والافتراء وتعكير السلم، وذلك عبر إجراءات جزائية تتولاها الجهات المختصة، بما فيها الضابطة العدلية كمكتب مكافحة جرائم المعلوماتية، ما يكرّس واقعًا تكون فيه وزارة الإعلام جهة توجيه وتواصل، لا جهة رقابة أو محاسبة.
من جهتها، ترى المديرة التنفيذية لمؤسسة "مهارات" رلى مخايل، أن المشهد الإعلامي في لبنان يشهد تفلّتًا واضحًا من المعايير المهنية والأخلاقية، مشيرةً إلى أن الظروف، ولا سيما خلال الحرب الأخيرة، أظهرت دور الإعلام في تعميق الانقسامات عبر خطاب اتهامي وعنيف وتخويني، انتقل تأثيره أيضًا إلى خطاب الجمهور.
وتؤكد أن هذا الواقع يتفاقم في ظلّ غياب مجلس وطني فعّال للإعلام، ما يترك فراغًا تنظيميًا كبيرًا. وفي هذا السياق، تشير إلى أن مؤسسة "مهارات" بالتعاون مع عدد من الجمعيات المعنية بالإعلام دفعوا باتجاه إقرار قانون إعلام جديد يتضمن إصلاح المجلس الوطني للإعلام عبر إنشاء مجلس مستقل يضمّ كفاءات قادرة على العمل مع مختلف الأطراف للنهوض بالقطاع، على أن يتركّز دوره وفق الاقتراح على حوكمة القطاع الإعلامي وتطويره وضمان جودة المحتوى لا تقييد حريته، فيما يبقى الواقع الحالي قائمًا على إعلام متفلّت تغذّيه الشائعات بدل الوقائع.
من جانبه، يقول مسؤول برامج الاتصالات والمعلومات في مكتب اليونسكو الإقليمي في بيروت، جورج عوّاد، إن أداء وسائل الإعلام في تغطية الأزمات والنزاعات في المنطقة العربية يمكن قراءته من خلال ثلاثة مجالات ذات أولوية مترابطة لدى اليونسكو: التربية الإعلامية والمعلوماتية، وسلامة الصحافيين، ونزاهة المعلومات. ورغم توسّع دور الإعلام في إتاحة المعلومات وتعزيز المشاركة، إلا أن فجوات كبيرة ما زالت قائمة، أبرزها ضعف التفكير النقدي لدى الجمهور وتراجع إدماج التربية الإعلامية في التعليم، ما يزيد من قابلية المجتمعات للتضليل وخطاب الكراهية.
كما يلفت إلى أن بيئات النزاع والضغوط السياسية تحدّ من استقلالية التغطية الصحافية وتؤدي إلى الرقابة الذاتية وتراجع التحقق الميداني، فيما تستمر إشكاليات تسييس الإعلام وضعف التحقق من المعلومات وانعدام الاستقلالية التحريرية وانتشار الروايات المُضخِّمة للصراع، ما يُبرز الحاجة إلى تعزيز قدرات الصحافيين، وترسيخ التربية الإعلامية، وتطوير آليات الحماية والمساءلة والتغطية الأخلاقية.
الهيئة الوطنية كإطار لتنظيم الأزمات
منذ إنشائه قبل أكثر من عشرين عامًا، بقي المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع إطارًا استشاريًا يقتصر دوره على إصدار التقارير والتوصيات من دون امتلاك أدوات تنفيذية فعلية، ما حدّ من قدرته على التأثير في أداء وسائل الإعلام. وفي محاولة لسدّ هذا النقص، توسّع المجلس أحيانًا في ممارسة أدوار تتجاوز الإطار القانوني، ولا سيما في ما يتعلق بالمواقع الإلكترونية، إلا أن هذه المحاولات من حيث السعي لإيجاد حلول، لم تُترجم إلى نتائج ملموسة أو تأثير فعلي، خصوصًا أن تركيبته لا ترقى إلى مستوى مقترح تشكيله حسب قانون الإعلام الجديد للهيئة الوطنية للإعلام.
ومع تراجع حضوره، يتعمّق الخلل البنيوي في تنظيم القطاع، في ظلّ غياب الهيئة الوطنية للإعلام نتيجة عدم إقرار القانون، ما يترك فراغًا تنظيميًا واضحًا في منظومة الحوكمة. وينعكس هذا الفراغ في مشهد إعلامي أكثر عرضة للتفلّت، حيث تنتشر الخطابات التحريضية والكراهية من دون وجود جهة مخوّلة للتدخل الفعّال، فيما يؤكد الخبير القانوني والنائب السابق غسان مخيبر في حديث لـ"مهارات" أن المعالجة القضائية وحدها غير كافية، خصوصًا أن جذور المشكلة تعود إلى الانقسام السياسي الذي ينعكس بدوره على الإعلام.
وتكمن أهمية الهيئة الوطنية للإعلام في تكوينها وحياديتها واستقلاليتها عن السلطة الاجرائية وعن وزارة الإعلام، ما يجعلها أقرب إلى "هيئة من الحكماء" كما يصفها مخيبر، ويمكن أن تُستثمر هذه الصورة للعب الدور الذي أناطه بها اقتراح قانون الإعلام الجديد.
وبحسب مسودة اقتراح قانون الإعلام المعدّل، كان يُفترض بهذه الهيئة أن تطوّر مدوّنة سلوك خاصة بحالات النزاع، تُصاغ بالتشاور مع المؤسسات الإعلامية والإعلاميين، وتشمل مختلف الوسائط من المرئي والمسموع إلى المطبوع والإلكتروني، بما يوفّر إطارًا أخلاقيًا جامعًا يساهم في خلق حدّ أدنى من التوافق داخل الجسم الإعلامي.
كما كان يمكن للهيئة أن تراقب حسن تطبيق هذه القواعد، وأن تعتمد آليات مخصّصة للفصل في الخلافات بدل حصرها بالمسار الجزائي، مع الإبقاء على دور القضاء في الحالات المرتبطة بالتحريض على العنف وخطاب الكراهية. وينصّ اقتراح القانون أيضًا على إلغاء تجريم القدح والذم والتشهير وجرائم الرأي، مقابل الإبقاء على تجريم التحريض على العنف وخطاب الكراهية، على أن يكون للهيئة، في الحالات الشديدة والخطيرة، صلاحية إحالة المخالفين إلى القضاء المختص. وإلى جانب ذلك، كان بإمكان الهيئة إصدار تقارير عامة وخاصة وتوجيه توصيات إلى الإعلاميين والجمهور، بما يسهم في عقلنة الخطاب العام والحدّ من التشنج. وفي هذا السياق، تبدو الهيئة، لو وُجدت، لاعبًا مساعدًا ومفيدًا في تنظيم المشهد الإعلامي، وإن لم تكن العامل الحاسم فيه، في ظلّ بقاء الانقسام السياسي كعامل أساسي ينعكس على الخطاب الإعلامي.
وفي ظلّ هذا الفراغ التنظيمي الذي يفاقمه غياب الهيئة الوطنية للإعلام، يبرز دور المقاربات الدولية في فهم إدارة المشهد الإعلامي وضبطه خلال الأزمات. وفي هذا الإطار، يؤكّد جورج عوّاد، أن رصد أداء وسائل الإعلام خلال الأزمات يجب أن يكون مسؤولية مشتركة بين الهيئات التنظيمية، والمجتمع المدني، والمؤسسات الإعلامية نفسها، إذ لا يمكن لأي طرف بمفرده ضمان المصداقية والشرعية.
ويوضح أن دور الهيئات التنظيمية يتمثل في الإشراف ودعم الحد الأدنى من المعايير مع الحفاظ على استقلاليتها، فيما تتحمل المؤسسات الإعلامية مسؤولية المساءلة الداخلية عبر المبادئ التحريرية وآليات التصحيح الشفافة، في حين يضطلع المجتمع المدني وهيئات الرقابة المستقلة بدور أساسي في المراقبة الخارجية والتدقيق العام والتحقق من المعلومات.
ويشدّد عوّاد على أن أكثر آليات المساءلة فاعلية هي تلك متعددة المستويات وذاتية التنظيم، وتشمل مدونات سلوك واضحة، وأنظمة مستقلة للشكاوى والمراجعة، وسياسات تصحيح عامة، وشبكات للتحقق من المعلومات، إضافة إلى جهود مستمرة في التربية الإعلامية والمعلوماتية تمكّن الجمهور من تقييم المحتوى بشكل نقدي، بما يضمن المساءلة دون المساس بحرية التعبير.
تعزيز حوكمة الإعلام خلال الأزمات
وفي ظلّ هذا الفراغ التنظيمي، تبرز المقاربات الدولية كنقطة ارتكاز لفهم سبل إدارة المشهد الإعلامي خلال الأزمات. وفي هذا السياق، يوضح جورج عوّاد أن اليونسكو تعتمد نهجًا معياريًا وتيسيريًا يقوم على دعم تطوير مواثيق إعلامية وأطر أخلاقية طوعية قائمة على الحقوق، بدلًا من فرض التنظيم. ويرتكز هذا النهج على إشراك الحكومات والجهات الفاعلة في القطاع الإعلامي والمجتمع المدني، بهدف التوصل إلى معايير مشتركة تعزّز سلامة المعلومات، والتربية الإعلامية والمعلوماتية، وسلامة الصحافيين، مع الحفاظ على حرية التعبير.
ويضيف أن هذه المواثيق تتضمن التزامات أساسية بالدقة والتحقق، واعتماد تغطية إعلامية حساسة للنزاعات، والحدّ من التضليل وخطاب الكراهية، إلى جانب إرساء آليات للمساءلة والتنظيم الذاتي، وحماية الصحافيين، وتعزيز التمثيل الشامل. وبحسب عوّاد، فإن هذه المقاربات تهدف إلى ترسيخ صحافة مسؤولة، وبناء ثقة الجمهور، وتعزيز التماسك الاجتماعي في البيئات الهشّة والمتأثرة بالأزمات، من دون الانزلاق نحو الرقابة أو تكريس هيمنة الدولة على الإعلام.
وفي ترجمةٍ لهذه المبادئ على الواقع اللبناني، يرى النائب السابق غسان مخيبر أنه في ظلّ ضعف المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع وغياب الهيئة الوطنية للإعلام، تبرز الحاجة إلى مبادرة جماعية من مختلف مكوّنات القطاع الإعلامي، بما يشمل الهيئات الخاصة والنقابات والنقابات البديلة، لعقد مؤتمر يتولى القيام بالأدوار التي كان يفترض أن تضطلع بها الهيئة. ويشدد على ضرورة أن يتعامل الجميع وكأن هناك قانونًا ملزمًا قائمًا، من خلال العمل المشترك على صياغة مدوّنة سلوك تحدد القواعد الأخلاقية الناظمة للأداء الإعلامي، معتبرًا أن تحرّك القضاء في الحالات القصوى يبقى مفيدًا، لكنه غير كافٍ، إذ تبقى المعالجة الأساسية مرتبطة بتعديل السلوك السياسي وتقريب وجهات النظر، باعتبار أن الانقسامات السياسية هي المحرّك الأساسي للسرديات المتفلّتة.
وفي هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى هيكل مؤسساتي واضح وفعّال، وهو ما تؤكد عليه رلى مخايل، إذ تشدد على أن المطلوب اليوم هو إقرار قانون الإعلام وتشكيل مجلس وطني فعّال، انطلاقًا من قناعة بأن للإعلام دورًا أساسيًا في دعم نهضة لبنان بعد سنوات من الأزمات المتتالية.
وتضيف أن الأمل يبقى قائمًا في أن ينهض البلد وأن يكون الإعلام جزءًا من هذه النهضة، عبر إقرار الإصلاحات اللازمة التي تسمح بمرحلة إعلامية جديدة أكثر مهنية ومسؤولية. وتوضح أن الهدف هو الوصول إلى إعلام يواكب هذه المرحلة دون أن يساهم في تعميق الشرخ أو التحريض أو التشكيك بالدولة، بل يقوم بدوره الرقابي والاستقصائي بشكل أوسع وأكثر فعالية.
وتختم بالتأكيد على أن تحقيق ذلك يشكّل شرطًا أساسيًا لتمكين الإعلام من أداء مسؤوليته الاجتماعية، لا سيما خلال الأزمات، بما يجعله عنصرًا محوريًا في أي مسار نهوض وطني.
تم إعداد هذه النشرة ضمن مشروع "إصلاح الإعلام وتعزيز حرية التعبير في لبنان" بدعم من الاتحاد الأوروبي.

