IMG E9199

زمالة تحوّل السردية: من تهميش النساء إلى إبرازهن كقائدات يصنعن الفرق

"هذه الزمالة لم تغيّر فقط فهمي لدور النساء في السلام والأمن، بل جعلتني أرى قصصًا لم يكن الإعلام يراها من قبل… قصص نساء يصنعن الفرق في قلب الأزمات، لا كضحايا بل كقائدات". -  الزميلة الصحافية فانيسا كلّاس

 

في واحدة من أكثر الفترات حساسية التي شهدها لبنان مؤخرًا، ومع تجدد الحرب الاسرائيلية على لبنان، اختتمت الزميلة الصحافية فانيسا كلّاس المرحلة الأخيرة من زمالتها الإعلامية ضمن مشروع "تعزيز القيادة المحلية للمرأة والشباب في أجندتي المرأة والسلام والأمن، والشباب والسلام والأمن في سياقات النزاع وما بعد النزاع"، من خلال إنتاج آخر أربع مواد إعلامية متعددة الوسائط من أصل 15 مادة، عكست واقعًا مغايرًا للسرديات التقليدية.

 

هذه المواد لم تكتفِ بتوثيق تداعيات الحرب، بل سلّطت الضوء على المبادرات التي تقودها النساء في مجالات الإغاثة، والدعم المجتمعي، والعمل الإنساني، مؤكدةً أن النساء في سياقات النزاع لسن مجرد ضحايا، بل فاعلات أساسيات في بناء السلام والاستجابة للأزمات، بما يتقاطع بشكل مباشر مع أهداف ومرتكزات قرار مجلس الأمن 1325 حول المرأة والسلام والأمن.

 

وتندرج هذه الإنتاجات ضمن مسار زمالة إعلامية استمرت ستة أشهر، جاءت ثمرة برنامج تدريبي متخصص نُفّذ في عام 2025، بالشراكة بين مؤسسة مهارات والشبكة العالمية للمرأة بانيات السلام (GNWP)، وبدعم من برنامج العمليات من أجل السلام والاستقرار (PSOPs) التابع للشؤون العالمية الكندية (Global Affairs Canada).

 

من التدريب إلى الإنتاج: مسار متكامل لبناء القدرات

انطلقت هذه المبادرة من ورشة تدريبية مكثفة استمرت يومين، عُقدت في بيروت بتاريخ 27 آب و3 أيلول 2025 في فندق Radisson Blu - فردان، وشارك فيها 15 صحافيًا وصحافية. هدفت الورشة إلى تعزيز فهم المشاركين لأجندتي المرأة والسلام والأمن (1325) والشباب والسلام والأمن (2250)، وتطوير مهاراتهم في الصحافة الحساسة للنوع الاجتماعي، ومكافحة المعلومات المضللة، والسلامة الرقمية خلال الأزمات.

 

وقد أظهرت نتائج تحليل الاحتياجات قبل التدريب محدودية المعرفة المسبقة لدى المشاركين بهذه الأجندات، مقابل اهتمام كبير بتطوير مهاراتهم في هذا المجال، ما ساهم في تصميم محتوى تدريبي تفاعلي استجاب بشكل مباشر لهذه الفجوات.

 

تضمّن التدريب مزيجًا من الجلسات النظرية، ودراسات الحالة، والعمل الجماعي التفاعلي، بإشراف فريق مهارات، ممثلًا بالمدربين حسين الشريف ولورا رحّال، وبمشاركة خبراء من GNWP. وقد عبّر المشاركون عن تقديرهم الكبير للتجربة، مشيرين إلى اكتسابهم معارف ومهارات جديدة، خصوصًا في مجالات التحقق من المعلومات والتغطية الحساسة للنزاعات.

 

إطلاق الزمالة: استثمار في صحافة معمّقة ومستدامة

عقب التدريب، تم اختيار الصحافية فانيسا كلّاس ضمن برنامج الزمالة، من خلال عملية تقييم شفافة ومنهجية. وقد تم تصميم برنامج الزمالة وفق إطار واضح يشمل التوجيه المستمر، والدعم التحريري، والمتابعة الأسبوعية، بهدف تمكين الزميلة من إنتاج محتوى إعلامي عالي الجودة يسلّط الضوء على دور النساء والشباب كقادة وصنّاع تغيير.

 

على مدى ستة أشهر، تابع الصحافيين في مؤسسة مهارات لورا رحّال وبلال ياسين الزميلة فانيسا كلاس عبر الإشراف والمساعدة التقنية التي شملت تطوير الأفكار، وإدارة الإنتاج، وصياغة المحتوى، ما مكّنها من إنتاج خمسة عشر (15) مادة إعلامية متعددة الوسائط تنوّعت بين تقارير فيديو، ومقالات تحليلية مدعّمة بالإنفوجرافيك، وإنتاجات رقمية تفاعلية.

 

وقد عالجت هذه الإنتاجات مجموعة واسعة من القضايا المحورية المرتبطة بأجندة المرأة والسلام والأمن (1325)، مقدّمة تغطية معمّقة ومتعددة الزوايا لدور النساء في لبنان، ليس فقط في مواقع القرار، بل أيضًا في الخطوط الأمامية للاستجابة للأزمات. فقد تناولت المواد قضايا تتعلق بتمثيل النساء في القضاء والتحديات التي تعيق وصولهن إلى المناصب العليا، ومشاركتهن في الأجهزة الأمنية في ظل القيود البنيوية والثقافية، إضافة إلى حضورهن في العمل البلدي المحلي من خلال نماذج قيادية ناشئة.

 

كما سلّطت الضوء على قضايا قانونية وحقوقية أساسية، من بينها حق المرأة في منح جنسيتها، ونضال النساء لمعرفة مصير المفقودين بعد الحرب، وانتشار الزواج المبكر في ظل غياب إطار قانوني موحّد، إضافة إلى التحديات المرتبطة بالعنف الأسري وآليات الحماية مثل الخط الساخن 1745، ودور نقاط الارتكاز الجندرية في تعزيز المساواة داخل المؤسسات، إلى جانب ملف الاتجار بالبشر والثغرات في تطبيق القوانين ذات الصلة.

 

وفي سياق النزاع، ركّزت مجموعة من هذه الإنتاجات على الأثر المباشر للحرب، من خلال تسليط الضوء على واقع النساء في البقاع في ظل الأزمات المتراكمة، وتأثير النزوح على التعليم، لا سيما على الطالبات، إلى جانب إبراز الدور الريادي للنساء في جهود الإغاثة والعمل المجتمعي. وشملت هذه النماذج مبادرات نسائية فاعلة، مثل شبكات بناء السلام، وقصص نساء قدن مبادرات إنسانية لدعم النازحين، ومواجهة فقر الصحي، ودعم العائلات المتضررة، ما يعكس دورهن كصانعات تغيير وشريكات أساسيات في تعزيز الصمود المجتمعي.

 

أنشطة التواصل: إيصال الصوت وتعزيز التأثير

بالتوازي مع الزمالة، نفّذت مهارات سلسلة من الأنشطة الإعلامية والتواصلية التي هدفت إلى مشاركة تجربة المتدربين ومساهمتهم برسائل تعزّز دور النساء والشباب كفاعلين أساسيين في بناء السلام، وتكسر الصور النمطية التي تحصرهم كضحايا، وتسلّط الضوء على أهمية الإعلام المسؤول في نقل قضايا النزاع بعمق ومساواة.

 

وقد شملت هذه الأنشطة إنتاج ونشر خمسة عشر (15) مادة تواصلية، توزعت بين:

- فيديوهات شهادات مباشرة لتسعة مشاركين تم اختيارهم كـ"سفراء لقراري 1325 و2250"

- تقرير شامل يوثق التدريب

- فيديو تفاعلي مشترك مع الزميلة بمناسبة الذكرى الـ25 لقرار 1325 بعنوان: "25 عامًا على قرار مجلس الأمن 1325… صوت النساء والشباب أقوى"

- محتوى رقمي (فيديوهات ومنشورات تفاعلية) يسلّط الضوء على مبادرات نسائية خلال الحرب، وتأثير النزاع على التعليم، لا سيما على الطالبات

  

 

 

نحو إعلام أكثر عدالة ومساواة

يؤكد هذا المشروع أن الاستثمار في الصحافة المتخصصة، وبناء قدرات الصحافيين والصحافيات، يشكّل مدخلًا أساسيًا لإعادة تشكيل السرديات الإعلامية، وتعزيز حضور قضايا المرأة والشباب في أجندات التغطية الإعلامية. كما يبرز الدور المحوري للنساء، ليس فقط كمتأثرات بالنزاعات، بل كقائدات فاعلات في جهود السلام، والإغاثة، وإعادة بناء المجتمعات.