فرقة مشروع ليلى.. الاكراه بإسم الدين

ألغت إدارة مهرجانات بيبلوس حفلة فرقة "مشروع ليلى" التي كانت مقررة في 9 آب، وأكدت عبر بيان لها انه "في خطوة غير مسبوقة، ونتيجة التطورات المتتالية، أُجبرت اللجنة على إيقاف حفلة مشروع ليلى، منعا لإراقة الدماء وحفاظا على الأمن والاستقرار ". في المقابل، علّقت الفرقة على قرار المهرجان إلغاء الحفل عبر بيان قالت فيه ان" قرار لجنة مهرجانات بيبلوس الدولية بإلغاء الحفل، كان قاسيا وضاغطا جداً. وقد شعرنا فيها بهشاشة الوضع في لبنان، آملين أن نعود في أجواء أكثر تسامحاً وتقبلاً لما هو مختلف، في وطن يشبه فعلا ما يتباهى به مقولة".  

وكانت قد قدمت 11 منظمة حقوقية وثقافية من بينها مؤسسة مهارات وبمبادرة من المفكرة القانونية إخبارا في 30 تموز 2019 لدى النيابة العامة التمييزية طالبين منها مباشرة التحقيقات مع أشخاص وجهات سياسية حرّضت علناً على العنف ضد فرقة مشروع ليلى.

كان من المفترض ان تحيي فرقة مشروع ليلى في التاسع من آب سهرة فنية بدعوة من لجنة مهرجانات بيبلوس الدولية تكريما للفرقة وبمناسبة مرور عشر سنوات على انطلاقها في العام 2008. وكان سبق ان احيت الفرقة عدة حفلات موسيقية في عدة مناطق لبنانية.

شنّ بعض الاشخاص المعروفين بتشددهم الديني حملة مواقف وتهديدات طالت اعضاء الفرقة مع توعد بإلحاق الاذى الجسدي بهم في حال قدموا الى جبيل لإحياء حفلتهم وفقا لجدول المهرجان واصفين اعضاء الفرقة بعبادي الشيطان ومتهمينهم بهدم القيم الدينية المسيحية. وابرز هذه المنشورات للناشط السياسي ناجي حايك على صفحته على فايسبوك، ومنشور شارل سركيس رئيس الحزب الديمقراطي المسيحي.

هذا وقد بدأت الحملات على الفرقة بسبب مشاركة المغني الرئيسي في الفرقة، حامد سنو، متابعيه على فيسبوك منشورا لمقال يتعلق بالمغنية العالمية مادونا مرفقا بالصورة الجدلية التي استبدلت فيها مادونا صورة السيدة العذراء بصورتها في احدى الايقونات، اضافة الى منشورات اخرى قديمة له على فيسبوك اعتبرت مهينة للدين المسيحي.

وقد اصدر مسؤولون كنسيون عدة مواقف تدعو الى منع العرض وتراجع لجنة مهرجانات بيبلوس الدولية عن استضافة اعضاء الفرقة .

ادى كل ذلك الى موجة من خطاب الكراهية تجاه اعضاء الفرقة على وسائل التواصل الاجتماعي وتوجيه الاتهامات والتهديدات لهم على اساس معتقداتهم ومبادئهم وافكارهم التي يروجون لها من خلال اغانيهم الموسيقية وهي تعبر كثيرا عن قضايا اجتماعية وسياسية ومنها قضايا مجتمع الميم العربي.

وقد استهجنت الفرقة في بيان لها نشر على حساب تويتر في 22 تموز الحملة المفبركة التي من شأنها ان "تضرب حرية التعبير وتلامس محور التكفير دون ان تلامس الحقيقة بصلة" واعتبرت الفرقة في بيانها انه تم "تحريف كلام بعض اغنياتها وفهمه بطريقة خاطئة بعيدة عن مضمونه" والنظر الى المعنى بشكل مجتزأ "من خلال جملة من هنا وكلمة من هناك" مما ادى الى "تشويه المضمون الحقيقي".

استدعى جهاز أمن الدولة بتاريخ 24 تموز الماضي اعضاء فرقة "مشروع ليلى" كارل جرجس وفراس أبو فخر للتحقيق بأمر من النائب الاستئنافي في جبل لبنان القاضية غادة عون بناء على اخبار تقدم به المدعو فيليب سيف بواسطة موكلته بحق اعضاء الفرقة بتهم تتعلق بالإساءة الى الدين المسيحي. وقد خضع جرجس وأبو فخر للتحقيق لمدة ست ساعات وتم اخلاء سبيلهما بشرط حذف المنشورات التي اعتبرت مسيئة والذهاب للقاء مطران ابرشية جبيل للطائفة المارونية المطران ميشال عون. كما ازالت الفرقة اغنية "الجن" التي اثارت لغطًا من حساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي.

وفي تطور وتصعيد خطير يهدد حرية وسلامة وامن اعضاء الفرقة ويمس بالحقوق المتساوية للأفراد أعلنت اللجنة الأسقفيّة لوسائل الإعلام في بيان بعد الاجتماع الذي عقدته في مقر المركز الكاثوليكي للاعلام بتاريخ 29 تموز 2019 "رفضها لهذه الفرقة والعرض الذي تؤديه يبنى على ما تقدمه من افكار واعمال تتهكّم على العقيدة الايمانية والرموز الدينيّة وتشوّه صورة الله كما تعلّمها الكنيسة"، مطالبة السلطات والاجهزة المختصة بمنع اقامة الحفل حماية للسلم الاهلي من المس بالشعائر الدينية وبتحمّل مسؤولياتهم وفقاً للدستور اللبناني الذي يحترم كل الاديان ويقدّم الاجلال لله.

هذا وقد ترافق الاخبار الذي تقدمت به 11 منظمة حقوقية وثقافية من بينها مؤسسة مهارات وبمبادرة من المفكرة القانونية لدى النيابة العامة التمييزية مع بيان، اشارت فيه هذه المنظمات الى ان ما تعرضت له الفرقة وصل الى"مستويات خطيرة جدا من التحريض والتهديد والترهيب وصولا إلى تعريض مواطنين للخطر ومنعهم من القيام بنشاطات مشروعة بالعنف والتهديد بالعنف، وكلّ هذا يشكل خطرا كبيرا على أمن الدولة وحقوق المواطنين فيها. وطالب المنظمات من النيابة العامة التمييزية التحرك فورا بالنظر إلى المخاطر الجسيمة للجرائم المرتكبة بحق اعضاء الفرقة، واهمها التهديد بالقتل والايذاء وفقا للمادتين 574 و577 من قانون العقوبات، حرمان اللبنانيين من ممارسة حقوقهم المدنية بالتعبير والمكفولة دستوريا بالقوة والعنف والإكراه سندا للمادة 329 من قانون العقوبات، اثارة النعرات ضد عناصر الأمة سندا للمادة 317 من قانون العقوبات. 

وقد اعتبرت المحامية ورئيسة المفكرة القانونية غيدة فرنجية ان الهدف من الاخبار هو وضع الدولة اللبنانية امام مسؤولياتها من اجل التصدي للخطاب التحريضي والعنفي، واضافت فرنجية: "الاخبار ليس موجها الى الناس المعترضة بشكل سلمي على اقامة الحفل لفرقة مشروع ليلى بل الى كل من دعا الى العنف وأسقط هيبة الدولة".

وأبدت فرنجية استغرابها من غياب الدولة عن هذه القضية، اذ لم يصدر اي تصريح رسمي حول القضية، سوى قرار القضاء الذي أكد عدم إرتكاب الفرقة اي جرم جزائي.

وشجبت مؤسسة مهارات في بيان سابق لها الممارسات التي تعرض لها عضوان من الفرقة كارل جرجس وفراس أبو فخر لناحية اخضاعهم للتحقيق الجنائي بناء على اخبار من شخص ليس له اي صفة او مصلحة وبناء على مزاعم غير ثابتة مما يشكل تكريسا لممارسات اقل ما يمكن وصفها بالاضطهادية والتمييزية بسبب الرأي واعتداء على حرية الافراد المدنية والاجتماعية والثقافية.

وذكّرت مهارات الحكومة والسلطة القضائية بإلتزامات لبنان الدولية باحترام مواثيق الامم المتحدة والاعلان العالمي لحقوق الانسان. وما نصت عليه المادة 7 من الدستور اللبناني لناحية تمتع اللبنانيين بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية دون ما فرق بينهم وما نصت عليه المادة 26 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية  ان "الناس جميعاً سواء أمام القانون ويتمتعون دون أي تمييز بحق متساو في التمتع بحمايته. وفي هذا الصدد يجب أن يحظر القانون أي تمييز وأن يكفل لجميع الأشخاص على السواء حماية فعالة من التمييز لأي سبب كالرأي السياسي أو غير سياسي أو غير ذلك من الأسباب".

وأكدت مهارات ان ضمان الحريات المدنية والسياسية وحرية الفكر والوجدان والضمير والمعتقد والتعبير عن الرأي لا يمكن يؤمن الا اذا طبق القانون بشكل عادل وغير تمييزي على الجميع عبر ضمان عدم تعريض أي شخص، على نحو تعسفي أو غير قانوني، لتدخل في خصوصياته أو لأي حملات غير قانونية تمس شرفه أو سمعته. ومن حق كل شخص أن يحميه القانون من مثل هذا التدخل أو المساس، المادة 17 من العهد. كما وضمان عدم تعريض أحد لإكراه من شأنه أن يخل بحريته في اعتناق أي معتقد يختاره، المادة 18 فقرة 2 من العهد المذكور اعلاه.