موقف مهارات من السخرية في الاعلام

مرة جديدة تُضرب حرية الاعلام بعرض الحائط في لبنان، وهذه المرة كما في مرات سابقة، بسبب عروض تلفزيونية ساخرة تعود للمخرج شربل خليل في برنامجه "قدح وجم" الذي تعرضه قناة الجديد. ففي الثاني من شباط، قام شخص برمي قنبلة على مبنى القناة، ردًّا على عرض ساخر شخصيّة "ابو القعقاع"، واعتُبر مسيئا للطائفة الدرزية.

وهذه الحادثة ليست الأولى من نوعها، فقد أثارت العروض الساخرة التي قدمها شربل خليل الشارع وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي في أكثر من مناسبة، وخليل، صاحب الشخصية الاستفزازية والجريئة، أصبح بحد ذاته حالة تلفزيونية مثيرة للجدل.

فمنذ العام 2006 حتى اليوم، حركت العروض التلفزيونية الساخرة لشربل خليل الشارع لعشر مرات، إن كان بالاحتجاج على الأرض أو افتراضيا عبر محطات التواصل الاجتماعي، وذلك بحسب رصد قامت به مؤسسة "مهارات". وفي العديد من الحلقات التي قدمها خليل في برامجه، تناول موضوعات وأشخاص تُعتبر من المحرمات ومسًّا بالخطوط الحمر.

نعرض لكم الحالات الاتية:

 

 

الى جانب ردات الفعل عليه شخصيًّ، تعرضت ايضا وسائل الاعلام التلفزيونية التي بثت برنامجه للتهويل والتهديد والاعتداء، والمقصود هنا المؤسسة اللبنانية للارسال وقناة الجديد. ونالت الأخيرة الحصة الاكبر من هذه الاعتداءات أولها في العام 2017 عندما تم تناول قضية تغييب الامام موسى الصدر، فاعتدت مجموعة من الشبان على المحطة بالحجارة وقنابل المولوتوف وحاولت اقتحام المبنى، ومؤخرا، قام مناصر حزبي برمي قنبلة يدوية على المحطة بعد سكيتش"ابو القعقاع"، الذي يجسد فيه شخصًا يلبس الزي الدرزي ويحمل اشارة سياسية على صدره متمثلة بصورة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، ما اعتبرت مسيئة للطائفة الدرزية.

 

من هنا، تشدد مؤسسة "مهارات" على حرية البرامج النقدية الساخرة، وخاصة اذا كان المشهد النقدي الساخر في معرض التعليق على موقف او اداء سياسي لشخصية عامة،  طالما تناولتها مثل هذا النوع من البرامج في أشكال ومضامين مختلفة، فهذا من حق وسائل الإعلام في أي مجتمع ديموقراطي يتقبل النقد بمختلف اشكاله.

وتعتبر مؤسسة "مهارات" انه اذا كانت الصورة الساخرة التي عرضت حول شخصية "ابو القعقاع" لا يقصد منها الاساءة المباشرة الى الطائفة الدرزية كمذهب ديني له عاداته وطقوسه وخصوصيته ومكانته في التركيبة اللبنانية، واتت بمعرض تجسيد هذه الشخصية المناصرة للحزب التقدمي الاشتراكي وزعيمه وليد جنبلاط ويفهم منها ان الحزب المعني او زعيمه هما المعنيين من السكيتش النقدي الساخر، فذلك لا يشكل تجاوزاً يوجب الحد من حرية هذا النوع من البرامج. وخصوصا ان رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط صرّح للإعلام وقال انه بعد تمعنه في سكيتش خليل حول شخصية ابو القعقاع استنتج انه معني مباشرة من هذا المشهد.

وتذكر "مهارات" بما توصل اليه اجتهاد المحكام بخصوص حرية التعبير الكاريكاتورية سواء المصورة او المؤداة، حيث اعتبر ان الرسوم والصور الكاريكاتورية وسيلة وشكل من أشكال التعبير التي تعتمد على إيصال الفكرة والرأي الناقد بواسطة المشاهد المعبرة بشكل فكاهي. فالمشاهد المؤداة بشكل كاريكاتوري لا ينظر اليها عادة بشكل مجرد وانما الى المغزى او الرسالة او الفكرة التي اراد صاحبها ايصالها الى المشاهد العادي، وطالما كانت هذه الفكرة او الرسالة لا تشكل تشهيرا او اساءة مباشرة، فالصورة المجردة لا يمكن اعتبارها كذلك وفصلها عن المشهد النقدي المتكامل.

وقد اكد القضاء اللبناني ذلك في قرارات عديدة منها حكم لمحكمة استئناف بيروت الجزائية في 14/11/2012  الذي اعتبر ان للعروض الكوميدية هامشا واسعا للتعبير ويتم تفسير القيود الواردة على التعبير بشكل أضيق عندما يطال الفن. كما اعتبرت المحكمة أن الدافع الكوميدي لتلك الاعمال يؤدي الى انتفاء النية الجرمية طالما انها جاءت في اطار الغاية الاساسية من العرض المقدم.

كما اكدت المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان في اكثر من منازعة قضائية تتعلق ببرامج نقد ساخرة "أن السخرية هي شكل من أشكال التعبير الفني والنقد الاجتماعي، وبطبيعة الحال، فهي من خلال سماتها المتأصلة في المبالغة وتشويه الواقع، تهدف بطبيعة الحال إلى الاستفزاز والاثارة. وبناء على ذلك، فإن أي تدخل في حق الفنان في مثل هذا التعبير يجب أن يدرس بعناية خاصة وخصوصا اذا اتى هذا النوع من التعبير على خلفية نقد أو نقاش عام.

وتؤكد "مهارات" انه على مؤيدي السياسيين، إذا كانوا ديموقراطيين في تفكيرهم وقناعاتهم، ان يتقبلوا النقد السياسي الساخر لقياداتهم، حتى ولو تم إظهارهم في صور غير مألوفة، طالما الهدف الاساسي منها هو نقد افعال واقوال هؤلاء الاشخاص ومواقفهم، وليس النقد المجاني فقط او التشهير والاساءة خارج حدود النقد المسموح به.

وفي هذا السياق تدعو "مهارات" السلطة القضائية المؤتمنة على صون الحريات العامة على ضرورة تقبل النقد في اطاره الواسع  المطبق على الأعمال الكوميدية، وان تنظر الى البرنامج المشكو منه في اطار السياق العام الذي عرض فيه تعزيزا لحرية النقاش العام بأشكالها المختلفة حتى النقدية الفنية الساخرة.

كما تطالب "مهارات" السلطات الأمنية التشدد في ملاحقة المعتدين، وترسيخ مبدأ عدم الافلات من العقاب، لما فيه من ضمانة عدم تكرار مثل هذه الاعتداءات على الجسم الاعلامي، وأن لا تكون المؤسسات الاعلامية مكسر عصا لأي كان.