قضية بشارة الاسمر مدخلا اساسيا لإستقلالية السلطة القضائية وحماية الحريات العامة

السلطة القضائية المستقلة هي الضمانة الاساسية لحماية الحقوق والحريات العامة ويقع على عاتقها ان تستلهم المبادئ المنصوص عنها في الدستور عند تطبيق القانون، فتستبعد تطبيق النصوص التي تتعارض مع الاتفاقيات المبرمة والتي اصبحت جزءا من التشريع الداخلي لا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وقد وضع العهد ضوابط دقيقة للتشريعات الوطنية في ما يتعلق بالحد من حرية الراي والتعبير واهمها

 لا يجوز أن تعرّض القيود المنصوص عنها في قوانين العقوبات والمطبوعات جوهر الحق في حرية الراي والتعبير نفسه للخطر

  لا يجوز فرض القيود الا بموجب نص قانوني في غاية الوضوح والدقة بحيث يسمح لأي فرد أن يعلم متى يكون فعله مخالفا للقانون

 لا يجوز تقييد حرية الرأي والتعبير الا اذا كان القيد ضروري في مجتمع ديمقراطي لإحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم، ولحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة

 لا يمكن فرض قيود لا تتناسب مع المصلحة التي ستحميها

قضية بشارة الاسمر اثبتت ان السلطة القضائية غير قادرة على حماية الحريات العامة والتحصن من التدخلات السياسية

فبتاريخ 18 أيار 2019، استدعي رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الاسمر للمثول فورا امام النائب العام التمييزي بالإنابة القاضي عماد قبلان الذي اصدر بعد الاستماع اليه امرا بتوقيفه وأحاله مكبّل اليدين إلى النائب العام الاستئنافي في بيروت، ليدّعي عليه بموجب المواد 474، 482، 484، و486 من قانون العقوبات واحالته امام قاضي التحقيق بتهم تحقير الشعائر الدينية والاساءة للبطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير

وفي التفاصيل، ان فيديو انتشر للأسمر وهو يقول "نكتة" يستهزئ فيها بالبطريرك على مسمع أعضاء في هيئة مكتب الاتحاد قبيل انعقاد مؤتمر صحافي كان مقررا في مقر الاتحاد بتاريخ 17 ايار، ما استدعى ردود افعال ومواقف غاضبة خصوصا على وسائل التواصل الاجتماعي

ابقي الاسمر موقوفا بموجب مذكرة توقيف وجاهية اصدرها قاضي التحقيق في بيروت بحقه ولم يخل سبيله الابعد 10 ايام من التوقيف بموجب كفالة مالية. وكان وكيل الدفاع عن الاسمر وصف قرار توقيف موكله بـ"الإعتقال التعسفي" وانه يأتي بدوافع سياسية

اهم ما تثيره هذه القضية امران اساسيان

 تدخل السلطة السياسية في عمل القضاء وعدم اثبات هذا الاخير استقلاليته

 تطويع القوانين المطاطة وتفسيرها خدمة لمصالح فئات معينة وليس لخدمة الحريات العامة واحترام نصوص الدستور ومقتضيات المصلحة العامة في مجتمع ديمقراطي تعددي

كان لافتًا تدخل السلطة السياسية عبر توجيهات وزير العدل

ومتابعته لتوقيف الاسمر كما اعلن في تغريدة يوم اقتياده للتحقيق وتوقيفه. ان المسار القضائي الذي سلكته قضية الاسمر شابه عيوب اجرائية وقانونية عديدة

فالاستدعاء السريع للأسمر وتوقيفه دون مبرر يدل صراحة على تأثر القضاة بموجة السخط من كلام الاسمر التي قادتها مجموعات اعلامية وسياسية تحت ستار الاساءة للرموز والشعائر الدينية

غاب عن علم القضاة واطلاعهم ما يلي

ان احكام الدستور تكفل حرية الراي والتعبير للمواطنين الى جانب حماية حقوق الطوئف ومصالحها الدينية

ان كل اللبنانيين يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية، وحرية اعتناق الاراء والتعبير عنها  ولا يسمح بالتمييز ضد أي شخص بسبب الاراء التي يعتنقها وتشمل الحماية لكل ضروب الآراء، بما فيها الآراء السياسية والدينية وغيرها التي قد تكون مخالفة لتلك التي تتبناها الأغلبية في البلاد أو التي تغاير أو تنقد أو تناقض تلك التي تتبناها السلطة او الاحزاب الحاكمة

ان لبنان في الفقرة (ب) من مقدمة الدستور ملتزم مواثيق منظمة الأمم المتحدة والاعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي تكفل حرية الراي والتعبير بأشكاله المختلفة وحرية الانتقاد او السخرية  في القضايا التي تتناول المعتقدات الدينية والعبادات او الرموز والشخصيات الدينية

 ان مقدمة الدستور وتحديدا في الفقرة (ج) تؤكد ان "لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية، تقوم على احترام الحريات العامة، وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، وعلى العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل

ان دور النيابة العامة التمييزية منتفي في هذه القضية فوفقا للمادتين 16 و24 من قانون أصول المحاكمات الجزائية كون هذه الجريمة لا ترقى الى مستوى الجرائم الخطرة التي توجب متابعة النائب العام التمييزي لها ما لم يطلب منه وزير العدل اجراء التعقبات بشأنها وفقا للمادة 14 من نفس القانون

ويبدو جليا من نصوص القانون ان للنائب العام التمييزي سلطة توجيهية على النيابات العامة الاستئنافية في المناطق وبالتالي له ان يطلب من المدعي العام الادعاء بالمواد القانونية التي يريدها. وهنا تكون الاستقلالية في عمل القضاة مشوبة بعيوب قانونية وتدخلات

وهنا تكمن اهمية قاضي التحقيق الذي يعمل بإستقلالية تامة ولا يتبع لأي سلطة توجيهية يمكن ان تؤثر في قرارته. كما ان هذه القضية لا تحتاج الى تحقيق في الاساس وقد اخضع الاسمر في 21 ايار للإستجواب امام قاضي التحقيق لمدة ساعتين وبلغت عدد اوراق التحقيق ٢٢ صفحة

هل فعلا ارتكب الاسمر جرما يوجب التوقيف والملاحقة

لم يكتف بردود الفعل التي اعتبرت الاسمر خارجا عن الدين المسيحي ومسفا او بالشتائم والتهديدات التي تناولته، وانما جرى التحرك من قبل اعلى القيادات السياسية في البلد لملاحقة الاسمر قضائيا واجباره على الاعتذار وتقديم استقالته من منصبه قبل اخلاء سبيله

جرى ملاحقة الاسمر والادعاء عليه بجرائم القدح والذم والتحقير بحق البطريرك الراحل صفير وهذا النوع من الملاحقة يوجب ادعاء شخصيا من ورثة البطريرك صفير حتى يتحرك الحق العام

كما جرى ملاحقته بجرم تحقير الشعائر الدينية، اي التوسع في تفسير النصوص واستخدامها للتهويل وقمع الحريات والتي تصل عقوبته إلى السجن ثلاث سنوات لتبرير تحريك الحق العام تجاهه وتوقيفه من دون حق طلب اخلاء السبيل السريع وغير المشروط

واضافة الى عدم توفر الشروط الشكلية والاسس القانونية للإدعاء تنتفي في الاساس شروط تحقق هذه الجرائم لناحية العلنية والقصد الجرمي اي اتجاه ارادة الاسمر الى نشر ما قاله علنا في النطاق الذي انتشر فيه واتجاه قصده الجرمي الى الاساءة الى البطريرك الراحل صفير

والاخطر في قضية الاسمر ان كل من استمع الى نكتة او تفاعل معها كان موضع شبهة وخضع للإستجواب

 

فهل يُثبت القرار الظني الذي سيصدر عن قاضي التحقيق في القضية ان القضاء سلطة مستقلة تحترم احكام الدستور وتشكل الضمانة الأساسية للحريات العامة والتعبير عن الراي

من هنا، تشدد مؤسسة مهارات على اهمية استقلال السلطة القضائية واحترام احكام الدستور والمعاهدات والمواثيق الدولية المتعلقة بضمان كافة اشكال الحريات العامة والتعبير عن الرأي

وتدعو مهارات الى ان يمارس القضاء دوره بعيدًا عن الضغوط السياسية والفئوية، وان لا يسمح بالتمييز او اضطهاد اي شخص بسبب آرائه بما فيها السياسية والدينية وغيرها التي قد تكون مخالفة لتلك التي تتبناها الاغلبية في البلاد، او التي تنقد او تناقض او تغاير المواقف التي تتبناها الجهات السياسية والدينية